توفى زوجى بعد خمس سنوات

توفي زوجي منذ خمس سنوات، ومنذ ذلك اليوم أعيش على إيقاع مو’عد ثابت لا يتغير. في اليوم الخامس من كل شهر أخرج من بيتي وأرسل خمسة آلاف جنيه إلى والدي’ زوجي لسداد دين قالوا إنه في عنق زوجي الراحل. لم أشكك يومًا في الأمر، كنت أعدّه آخر خيط يربطني’ به، وآخر دليل أتشبث به لأقنع نفسي أن الحب لا يموت في المقابر.
ذات مساء، وأنا أعود ةمرهقة من عملي، أوقفني ةجاري في الطابق ا’لسفلي، رجل هادئ قليل الكلام يعيش وحيدًا منذ سنوات. نظر إليّ نظرة غريبة ثم قال فجأة، وكأنه يلقي حجرًا في بئر صامتة’: توقفي عن إرسال’ المال لهم، وراجعي كاميرات المراقبة. لم يض’ف كلمة’ واحدة، ولم يش’رح أ’كثر. صعد إلى شقته وترك في صدري’ حفرة من القلق لم أعرف كيف أتجاهلها.
في اليوم التالي قررت أن أفعل ما قاله. دخلت غرفة الحارس القديمة في مدخل العمارة، جلست أمام ال’شاشة الصغيرة، وبدأت أراجع التسجيلات يومًا بعد يوم، شهرًا بعد شهر. وما رأيته جعل جسدي يقشعر، كأن بردًا مفاجئًا استق’ر في عظامي.
في ذلك اليوم، ع’ندما أطفأت محرك دراجتي الصغيرة أسفل الدرج، ض’ربتني رائحة غريبة، مزيج من رطوبة قديمة ’وورق مهم’ل وبقايا حياة لم تُنظف منذ سنوات. كانت العمارة العتيقة في قلب العاص’مة قا’ئمة منذ أكثر من سبع’ين عامًا، حادة المل’امح، قا’سية، تشبه سكانها الذين يشيخ’ون ببطء داخل جدرانها.’
أسندت دراجتي الحمراء إلى زاوية الجدار حيث ما زالت علامة طلاء باهتة تشير إلى مكاني المعتاد منذ خمس سنوات. اليوم هو اليوم الخامس من الشهر، اليوم الذي تضطر فيه لينا، الأرملة ذات الثانية والثلاثين عامًا، إلى صعود خمسة طوابق بلا مصعد لتفي بدين زوجها الراحل.
عدّلت حقيبتي الصغيرة، ولمست دون وعي الجيب الداخلي المنتفخ. خمسة’ آلاف جنيه. مبلغ قد يبدو عاديًا للبعض، لكنه جزء كبير من راتبي الهزيل، مال كان يمكن أن يذهب لحليب ابن’ي كريم، أو لملابسه، أو لدروس اللغة التي يحتاجها في المدرسة.
قبل خمس سنوات، حين قرر زوجي عمر السفر للعمل خارج البلاد، باع والداه كل ما ادخ’راه من مال تقاعدهما، اثني عشر ألف يورو، وسلموها له. يومها قالوا إنهم يفعلون ذلك من أجل مستقبلنا جميعًا.’
وحين توفي عمر في حا,دث عمل بعد شهور قليلة، وقفت حماتي أمام الجميع، وأشارت إليّ بإصبع الاتهام، معلنة أن ابنها اضطر إلى السفر بسببي، وأنني السبب في مو’ته، وأنني تركتهما شيخين بلا شيء.
في تلك اللحظة فُرض عليّ إع’ادة ال’’مبلغ كاملًا، مقسمًا ’’على خمسة آلاف جنيه شهريًا لمدة خمس ’عيدًا عن الصراعات.
كان الدرج بئرًا مظلمًا لا يضيئه سوى خيوط ’شم’س ’ضعيفة تت’سلل من زجاج مكسور في منور العمارة، وصدى خطواتي يرتطم بالبلاط القديم. تاك… تاك… تاك. كل درجة كان’ت ثقلًا ميتًا’ على صدري. في الطابق الأول كان الحارس ي’شغّل الراديو بأعلى صوت. في الثاني، رائحة عدس محت’رق تتسلل من مطبخ أحد الجيران. في الثالث، شجار زوجين شابين حول فاتورة الكهرباء. في الرابع، صمت ثقيل يسبق العاصفة. أما الخامس، حيث يعيش والدا عمر، فك’ان عالمًا آخر من السك’ون المريب.
توقفت أمام باب الشقة أتنفس بصعوبة، ليس فقط من الإرها’ق، بل من ذل’ك الإحساس الغامض ال’ذي يهاجم’ني في كل مرة أقف أمام هذا الباب الحديدي الأزرق الصدئ. شقة رقم خمسمئة وأربعة. بيت والدي عمر.
طرقت ثلاث طرقات جافة واضحة. طوك… طوك… طوك. صمت. كنت أعلم أنهما في الداخل، لم يكونا يخرجان أبدًا. أنسيل، حماي، أنهكه التهاب المفاصل، وسميرة، حماتي، لا تكف عن الشكوى من الدوار والصداع. عاشا كأشباح في تلك الشقة الصغيرة، ستائر مغلقة وباب لا يفتح ليلًا ولا نهارًا.
طرقت مرة أخرى، أقوى. أنا لينا. مرّت دقيقة ثقيلة قبل أن أسمع سحب حذاء قديم على الأرض، ثم صوت القفل، كأن عظام رجل عجوز تحتك ببعضها. فُتح الباب بالكا’د، بالقدر الذي يسم’ح لوجه مت’جعد، بار’د النظرة، أن يطل.
دخلت دون استئذان.’ وضعت الحقيبة على ’الطاولة الخش’بية الصغيرة. أخرجت هاتفي، شغلت التسجيلات، ورفعت الصوت. ظهر أنسيل في الفيد’يو يسير بلا عكاز، بلا أ’لم، يخرج من البيت في نفس اليوم الخامس من الشهر، ثم سميرة تخرج بعده بدقائق. ثم مشهد آخر ف’ي محل ’ص’رافة، يعدا’ن النقود، يض’حكان. نف’س اليوم. ’نفس المبلغ.
ساد صمت ثقيل. لم أصرخ. لم أبكِ. قلت فقط بهدوء موجع: الدين خلص من زمان. مش كده؟
لم يجب أحد. فهمت كل شيء. خمس سنوات من الاستنزاف باسم الحب والواجب. خمس سنوات من الصمت.
حملت حقيبتي، وخرج’ت. نزلت الدرج ببط’ء، ولم أعد أشعر أنه بئر. كا’’ن مجرد درجات. عند الباب الخارجي وقفت لحظة، ثم أدرت ظهري للع’مارة كلها.’
في ذلك المساء أغل’قت أمر التحو’يل الشهري، وأرس’لت رسالة واحدة قصيرة: الدين ان’هى. ثم’ أغلقت الهاتف.
مرت الشهور. لم يطرق أحد بابي. لم ينهار العالم. كبر كريم، وكبرت ’معه. وف’ي اليوم الخا’مس من أحد الشهور ’استيقظت، احتسيت قهوتي ببطء، ولم أخرج من البيت.
حينها فقط فهمت أن بعض الديون لا تُسدد بالمال، بل بالش’جاعة، وأن من يت’وقف عن الدفع أحيانًا… هو من ينجو.
بقلم اسما السيد
ممنوع النسخ أو الاقتباس
#حكايات_اسما_السيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *