لقيت حفيدتى

وأنا بنضف بيت بنتي اللي مـ,ـاتت، لقيت حفيدتي اللي كانت مفقودة مربوطة بسلسلة، وبتقولي: “مش قادرة أتحمل أكتر من كده.. أنا عايزة ماما!”. لما مديت إيدي ومسـ,ـكت رقبتها، عرفت الحقيقة.

لسه فاكرة ريحة التراب والوحدة اللي كانت مالية بيت بنتي يوم ما رحت أنضفه. سلمى كانت مـ,ـاتت من تلات أسابيع – جوزها وائل قال إنها انتـ,ـحرت – وأنا مكنتش قادرة أبطل عياط ولا حتى آخد نفسي. بس كان فيه حاجة جوايا بتحلف لي إن فيه حاجة غلط، ولازم أدور في حاجتها بنفسي. الأم بتبقى حاسة لما الكلام ميبقاش داخل دماغها.. ومفيش ولا كلمة من اللي قالها وائل كانت مقنعة.
وأنا بنقل الصناديق في الطرقة، شميت ريحة غريبة جاية من الجنينة اللي ورا. مكنتش ريحة زبالة – كانت ريحة وحـ,ـشة، قديمة، وطالعة منها حـ,ـرارة تقرف، كأن فيه حاجة اتسابت تعفن. مشيت ورا الريحة لحد ما وصلت لمخزن العدة اللي كنت بساعد سلمى في دهانه أول ما اشتروا البيت. الباب كان محشور، وفيه خشبة تقيلة محطوطة على المـ,ـقبض من بره.
قلبي انقبض وحسيت برعشة في جـ,ـسمي كله.
زقيت الباب بكتفي بكل قوتي. حاولت تلات مرات لحد ما اتفتح في الآخر، بس أول ما اتفتح، ركبي سابت ومقدرتش أقف.
في ركن ضلمة، مربوطة من كاحلها بسلسلة، ولابسة بيجامة وسـ,ـخة، وبتبص لي بعيون غائرة وتعبانة.. كانت حفيدتي اللي مكنتش لاقياها، ليلى.
وشها كان مخطوف، وشعرها منكوش، وإيديها الصغيرة كانت بتترعش كأنها نسيت إزاي تبطل رعشة. السلسلة كانت بتعمل صوت يوجع القلب وهي بتحاول تقوم تقف.
“تيتا؟” صوتها كان مقـ,ـطوع كأنها مكلمتش حد بقالها سنين. “أنا.. مش قادرة أتحمل أكتر من كده. أنا عايزة ماما.”
> الكاتبه نور محمد
زوري وجعني ومبقتش قادرة أتنفس. رميت نفسي على الأرض وأخدتها في حـ,ـضني، وكنت حاسة بعضمها بارز تحت إيدي. ليلى مكنتش مفقودة، ومكنتش مـ,ـاتت.. كانت هنا طول الوقت.
ووائل كان عارف.
وأنا شايلاها، ليلى همست بصوت واطي: “تيتا، ماما قالت لي.. ماما قالت لي إنك هتيجي”.
جـ,ـسمي اتخشب في مكاني.
ماما قالت؟!
سلمى مـ,ـاتت! وائل قال إنها رمت نفسها هي وليلى من فوق. هما لقوا جـ,ـثة سلمى – بس جـ,ـثة ليلى مظهرتش. وقالوا إن جواب الانتـ,ـحار اللي سابته بيشرح كل حاجة.
بس ليلى قدامي أهي.. حية.. ومربوطة.. وبتمـ,ـوت من الجوع.
> الكاتبه نور محمد
دماغي لفت بيّ. الحـ,ـزن والذنب أكلوا قلبي. للحظة – لحظة مرعبة – حسيت إن الضلمة اللي كانت في حياتي من ساعة ما سلمى مـ,ـاتت بلعتني. قلبي اتك.سر م.يت حتة وأنا شايفة الطفلة دي بتطلب أمها اللي فاكرة إنها هتشوفها تاني.
وعملت حاجة لسه مش قادرة أواجه نفسي بيها: مديت إيدي لرقبتها. مش عشان أذيها، لا.. من كتر اليأس. فكرة سوداء ومجـ,ـنونة جت في بالي، إننا يمكن لو سيبنا الدنيا دي سوا، نروح لـ سلمى ونرتاح.
بس فجأة لمست حاجة ساقعة في رقبتها.
سلسلة.
دي سلسلة سلمى بنتي.
ومعلق فيها.. مفتاح نحاس صغير عارفاه كويس أوي. المفتاح ده مش بتاع البيت هنا، ده مفتاح بيت عيلتنا القديم المهجور اللي بعيد عن هنا بساعة.
قلت بصوت بيترعش: “ليلى، المفتاح ده جه منين؟”
الرد بتاعها هدم كل اللي كنت فاكراه، وولع في قلبي نار مش هتطفي غير لما أنتقم.
“ماما هي اللي ادتهوني.. قالت لي إنها مصابة ومحبوسة.. ومستنية حد ينقذها.”

1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *