كانت تموت

كانت فاكره إنها هتموت الليلة دي، فالمليونيره اتصلت بحبيبها السابق وهى بتترجاه يفضل جنبها
بس خليكِ معايا لحد ما الليلة دي تعدّي… أنا مش عايزه أموت لوحدي.
لكن الرقم كان غلط.
واللي رد عليها كان كهربائي أرمل، عنده بنت عمرها 10 سنين.
ولسبب هو نفسه ماكانش فاهمه وقتها… قرر يروح لها المستشفى.
بعد شهور، لما فتح فلاشة USB وصلت له بالصدفة، فهم إن المكالمة الغلط دي ماحطتوش قدام ميراث بالملايين وبس…
دي حطت حياته وحياة بنته في خطر.
الجزء الأول
أنا مش ماجد… بس لو إنتِ فعلًا خايفة، أنا ممكن أجيلك وأفضل معاكي.
عمر عبدالسلام عمره ما تخيل إنه في يوم من الأيام هيقول الجملة دي لواحدة مايعرفهاش.
كانت الساعة 207 بعد نص الليل.
وكان قاعد على الكنبة في شقته الصغيرة في مدينة نصر، لسه لابس هدوم الشغل والجزمة التقيلة في رجله، وإيديه عليها آثار شحم وزيوت وأسلاك كهربا.
عمر كان كهربائي صناعي.
راجل بسيط، شاطر جدًا في شغله، وبيشتغل بالساعات علشان يعرف يوفر حياة كويسة لبنته الوحيدة، ليلى، اللي كان عندها 10 سنين.
مراته، منى، ماتت بالسرطان من أربع سنين.
ومن اليوم ده، عمر اتعلم إنه يصحى من أقل صوت.
كحة.
خبطة باب.
رنة تليفون في نص الليل.
أي حاجة ممكن تخليه يفتكر ليالي المستشفى الأخيرة مع منى.
لكن الليلة دي تحديدًا، ليلى ماكانتش في البيت.
كانت نايمة عند صاحبتها بعد ما أم صاحبتها أصرت إنها تبات معاهم.
وعلشان كده، لما التليفون رن في الوقت المتأخر ده، عمر افتكر في الأول إن فيه حاجة حصلت لبنته.
مسك الموبايل بسرعة.
ألو؟
لكن الصوت اللي جه من الناحية التانية ماكانش صوت حد يعرفه.
كان صوت بنت.
ضعيف جدًا.
ومتقطع.
ماجد… أرجوك.
عمر عقد حواجبه.
مين؟
البنت كملت وكأنها أصلًا مش سامعاه كويس.
أنا في مستشفى دار الفؤاد… أوضة 608.
صوت نفسها

كان سريع.
أنا مش عايزة أفضل لوحدي.
عمر بص لشاشة الموبايل باستغراب.
رقم غريب.
أكيد البنت اتصلت غلط.
حضرتك تقريبًا طلبتي رقم غلط.
سكتت.
ثواني طويلة عدت.
وبعدين سمع شهقة مكتومة.
ماجد؟
عمر حس بحاجة جواه اتقبضت.
لا… أنا اسمي عمر.
البنت بدأت تعتذر بسرعة.
أنا آسفة… آسفة جدًا، أنا…
لكن صوتها كان بيتهز.
ونفسها كان متقطع بطريقة خلت عمر يقوم من مكانه من غير ما يحس.
هو يعرف الخوف ده.
يعرفه كويس جدًا.
كان نفس الخوف اللي شافه في عيون منى في آخر لياليها.
الخوف اللي بييجي للإنسان لما يحس إن الموت ممكن يكون أقرب له من الصبح.
عمر سكت لحظة.
وبعدين قال
اسمعيني.
هي ما ردتش.
أنا ممكن أجيلك.
سكتت.
عمر نفسه استغرب الجملة اللي خرجت منه.
لكنه كمل
استحملي شوية بس… وأنا هكون عندك.
بعد حوالي عشرين دقيقة، كان عمر سايق عربيته القديمة في شوارع القاهرة شبه الفاضية.
وطول الطريق، كان بيسأل نفسه سؤال واحد
أنا بعمل إيه؟
رايح مستشفى الساعة اتنين ونص بالليل علشان واحدة ماعرفهاش؟
ممكن تكون مجنونة.
ممكن تكون المكالمة كلها مقلب.
ممكن يوصل يلاقي نفسه داخل في مصيبة مالوش أي علاقة بيها.
أكتر من مرة فكر يرجع.
لكن كل مرة كان يسمع الجملة في دماغه
أنا مش عايزة أفضل لوحدي.
ولما وصل المستشفى ونزل من العربية، وقف قدام الباب الزجاجي للحظات.
أول ما الباب اتفتح، ريحة المطهرات ضربت في وشه.
جسمه كله اتجمد.
أربع سنين.
أربع سنين كاملة ما دخلش مستشفى.
من يوم ما خرج من المستشفى بعد وفاة منى وهو لو شاف حتى باب مستشفى من بعيد، قلبه بيتقبض.
كان ممكن يرجع.
بل فعلًا لف نص لفة ناحية الباب.
لكن افتكر الصوت.
فدخل.
طلع الدور السادس.
وسأل عن أوضة 608.
ولما فتح الباب…
شافها.
كانت بنت تقريبًا في أوائل التلاتينات.
وشها شاحب جدًا.
جسمها ضعيف.
متوصلة بأكتر من جهاز وأنبوب.
وجزء من شعرها كان متغطي بضمادة طبية.
بصت له ثواني.
وبعدين قالت بصوت واطي
إنت مش ماجد.
عمر رفع حاجبه.
ما أنا قلتلك في التليفون.
لأول مرة، ابتسامة ضعيفة ظهرت على وشها.
يعني رسميًا أنا أكتر واحدة مثيرة للشفقة في مصر.
عمر ضحك غصب عنه.
هي مدت إيدها بصعوبة.
أنا نادين الصاوي.
عمر اتجمد.
الصاوي؟
مجموعة الصاوي للتكنولوجيا والاتصالات.
واحدة من أكبر الشركات المصرية المتخصصة في أنظمة الاتصالات والأقمار الصناعية والتكنولوجيا.
واسم عيلة الصاوي كان معروف في عالم رجال الأعمال.
ونادين الصاوي تحديدًا كانت البنت الوحيدة لرجل الأعمال الراحل فؤاد الصاوي.
الملياردير اللي أسس المجموعة من الصفر، وبعد وفاته ساب وراه إمبراطورية ضخمة.
عمر بص لها كأنه بيحاول يتأكد إنها فعلًا نفس البنت اللي شاف صورتها قبل كده في الأخبار.
نادين لاحظت نظرته.
عرفتني؟
تقريبًا.
سكتت شوية.
وبعدين قالت
ماجد كان خطيبي.
عمر قعد على الكرسي اللي جنب السرير.
كان؟
نادين بصت للسقف.
سبنا بعض من شهر.
وبعد لحظة كملت
سابني بعد أسبوعين من تشخيصي بالمرض.
عمر ماعرفش يقول إيه.
في اللحظة دي، دخلت دكتورة في أواخر الأربعينات.
أستاذ عمر؟
قام.
أيوه.
ممكن أتكلم مع حضرتك بره دقيقة؟
خرج معاها للممر.
أنا الدكتورة هالة منصور، المسؤولة عن حالة نادين.
عمر قال بسرعة
بس أنا مش قريبها. أنا أصلًا…
عارفة.
عمر استغرب.
الدكتورة هالة بصت من خلال الزجاج ناحية نادين.
نادين عندها أنيميا لاتنسجية شديدة.
عمر سكت.
يعني إيه؟
نخاع العظم عندها تقريبًا توقف عن إنتاج خلايا الدم بالشكل المطلوب. العلاج الحالي استجابته ضعيفة جدًا، وهي محتاجة زراعة نخاع.
عمر بلع ريقه.
الدكتورة كملت
المشكلة إن مناعتها ضعيفة جدًا. والعدوى اللي عندها الليلة دي ممكن تكون خطيرة.
يعني ممكن…
الدكتورة ما سابتهوش يكمل.
إحنا بنعمل كل اللي نقدر عليه.
وبعدين بصت له.
هي طلبت إنك تفضل.
عمر أشار لنفسه.
أنا؟
أيوه.
بس هي ما تعرفنيش.
الدكتورة هالة ابتسمت ابتسامة صغيرة حزينة.
يمكن علشان كده بالذات.
رجع عمر للأوضة.
نادين كانت صاحيه.
أول ما شافته قالت
الدكتورة قالتلك إني ممكن أموت؟
عمر اتفاجئ من صراحتها.
قالت إن حالتك محتاجة متابعة.
نادين ضحكت.
واضح إنك مش بتعرف تكدب.
سكتت شوية.
وبعدين سألته
ليه جيت؟
عمر بص لها.
إيه؟
إنت ماتعرفنيش. وأنا اتصلت بيك بالغلط الساعة اتنين الصبح. أي شخص طبيعي كان هيقفل التليفون ويرجع ينام.
عمر بص للأرض.
ولثواني طويلة ما ردش.
ثم قال
علشان أنا كنت في يوم من الأيام الشخص اللي قاعد لوحده في مستشفى.
نادين بصت له.
لكنه ماشرحش أكتر.
وقعد جنبها.
والساعات بدأت تعدّي.
اتكلموا في كل حاجة تقريبًا.
عمر حكى لها عن ليلى.
عن رسوماتها الغريبة لأعمدة الكهرباء.
وعن إنها مقتنعة إن أبوها يقدر يصلح أي حاجة في الدنيا لمجرد إنه كهربائي.
حكى لها عن شغله.
وعن حبه للأجهزة القديمة.
كان يقول دائمًا إن الحاجة القديمة مش لازم تترمي لمجرد إنها بطلت تشتغل.
أحيانًا كل اللي بتحتاجه إن حد يفهم هي عطلت ليه.
نادين ابتسمت.
يا ريت البشر كانوا كده.
عمر بص لها.
يمكن هما كده فعلًا.
هي ما ردتش.
بعد فترة، نادين بدأت تحكيله عن أبوها.
فؤاد الصاوي.
الرجل اللي بنى شركة فيها أكتر من 3800 موظف.
حكت له إنه كان قاسي في الشغل، لكنه كان بيحبها جدًا.
وإن بعد موته، كل حاجة اتغيرت.
مجلس الإدارة بقى مليان صراعات.
ناس كانت بتبوس إيد أبوها بقت دلوقتي بتتكلم عنها كأنها بنت مدللة ورثت شركة أكبر منها.
والأسوأ…
إن مرضها جه في أسوأ توقيت ممكن.
واحد من أعضاء مجلس الإدارة كان بيستغل غيابها المتكرر عن الاجتماعات علشان يشكك في قدرتها على إدارة المجموعة.
كل الناس بتختفي لما الواحد يمرض.
قالتها نادين وهي بتبص للنافذة.
أصحاب… شريك حياة… حتى بعض أفراد العيلة بيبدأوا يتعاملوا معاك كأنك بقيت ذكرى قبل ما تموت أصلًا.
عمر ما ردش.
فضل قاعد جنبها.
لحد ما الشمس طلعت.
ونادين…
عدت
لمحة نيوز

1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *