الشقة الجديدة

دخلت أوضة النوم زي الإعصار، سحبت أكبر شنطة سفر عندنا، وفتحت الدولاب. بقيت ألم في هدومه بمنتهى العصبية والسرعة، قمصانه، بنطلوناته، حتى الجزم والشرابات، حطيت كل حاجته في الشنطة وقفلتها بـ “الـسوستة” بقوة وكأنني بقفل صفحته من حياتي.
سحبت الشنطة ورايا، وفتحت باب الشقة ونزلت السلم وعيني مفيهاش دموع، فيها غضب يهد جبال. وصلت للدور اللي فيه شقة حماتي، والباب كان موارب والصنايعية لسه رايحين جايين. رميت الشنطة في نص الصالة بكل عزمي، لدرجة إنها عملت رزع هز المكان.
حماتي اتنفضت من مكانها وبصت للشنطة وبصتلي وهي مذهولة: “إيه ده؟ إيه قلة الأدب دي؟”
بصيت لها بمنتهى الثبات وقولت بصوت حاد ومسموع للكل: “ده ابنك المحروس يا حماتي.. كلمني وبيخيرني بين خدمتك وخدمة صنايعيتك وبين كرامتي، وأنا اختارت كرامتي. هدومه اهي، لما يرجع من الشغل خليه ينام عندك ويقعد تحت رجلك ورجل بنواتك يشبعوا بيه، وأنا ماليش دعوة بيكم تاني!”
سيبتها واقفة حاطة إيدها على بقها ومبرقة من الصدمة، وطلعت شقتي وأنا بأخد السلم خطوتين في خطوة. أول ما دخلت، قفلت الباب بالترباس، ومسكت تليفوني واتصلت فوراً بـ “عم أحمد” النجار اللي في أول الشارع.
“أيوة يا عم أحمد.. معاك أميرة. عايزة حضرتك

تجيلي حالا بكالون جديد للشقة، وتغيرلي الكوالين كلها فوراً.”
ساعة زمن وكان الكالون متغير، ومعايا المفاتيح الجديدة في إيدي. قعدت على الكنبة وأنا بتنفس براحة لأول مرة من سنين. الموبايل م بطلش رن، توفيق وأمه واخواته، الكل بيتصل ويبعت رسائل تهديد وشتيمة.. بس المرة دي، أنا كنت عاملة “تليفوني صامت” وقررت إني مش هرد على حد، ولا هضعف.
أنا اللي عودتهم على شيل المسؤولية، وأنا اللي هعلمهم الأدب من أول وجديد.. والبادئ أظلم!
فاتت كام ساعة، وأنا قاعدة في هدوء تام، مراقبة شاشه الموبايل وهي بتنور كل دقيقة برقم توفيق، وبعدها رقم حماتي، وبعدها رسايل على الواتساب مليانة تهديد ووعيد من أخواته البنات اللي فجأة افتكروا إن عندهم صوت وبيعرفوا يتكلموا ويدافعوا عن أمهم!
ضحكت بسخرية وأنا بقفل الشاشة خالص.. سبحان الله، بقوا يعرفوا يتكلموا ويتحركوا أهو، أومال مكانوش بيعرفوا يشيلوا كوباية من مكانهم ليه؟
على الساعة تمانية بالليل، سمعت صوت خطوات سريعة وطالعة على السلم بغل.. الخطوات دي أنا حافظاها كويس، دي خطوات توفيق لما يكون قايد نار.
وقفت ورا الباب وقلبي رجع يدق تاني، بس المرة دي مش خوف، المرة دي ترقب لشكل المعركة.
سمعت صوت المفتاح وهو بيدخل في الكالون.

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *