أبنى منطقش
ابني ما نطقش ولا كلمة لمدة تمن سنين بعد جنازة أخته التوأم وأول كلمة قالها في ذكرى وفاتها خلت كل اللي قاعدين اتجمدوا في أماكنهم.
يوسف وياسمين اتولدوا بفارق حداشر دقيقة. يوسف جه للدنيا الأول وياسمين وراه على طول. القابلات كانوا بيحكوا إن أول ما خرجت مدت إيديها الصغيرة كأنها بتدور على أخوها قبل حتى ما تفتح عينيها.
خمس سنين كاملة كانوا ما بيفارقوش بعض أبدًا ، بالطريقة اللي التوأم بس هو اللي يعرفها. يكملوا كلام بعض وما يعرفوش يناموا مرتاحين إلا لو في نفس الأوضة ويبصوا لبعض بنظرة يفهموا منها كلام محدش غيرهم يقدر يفسره.
لحد اليوم اللي جوزي خدهم معاه للترعة.
يوسف رجع وياسمين لأ.
جوزي قال إنها زلت رجلها والمية جرفتها. قال إنه نزل وراها وفضل يعوم بكل قوته ، لكنه معرفش يلحقها. والأصعب من كده إن جثتها ما اتلاقتش أبدًا.
الشرطة قفلت المحضر على إنه حادث قضاء وقدر.
أما يوسف فسكت.
من يوم جنازة أخته وهو ما نطقش ولا كلمة. ما كانش سكوت بالتدريج ولا الكلام قل واحدة واحدة. لأ وقف كلامه في نفس اليوم.
وقف واقف جنب قبرها ، لابس جلابية سودة صغيرة وماسك إيدي ومن بعد اللحظة دي ولا حرف.
الدكاترة قالوا إن دي حالة صمت اختياري بسبب صدمة نفسية شديدة بعد الفقد.
ما سبتش باب إلا وخبطت عليه.
وديته لدكاترة نفسيين وجربت معاه الرسم والموسيقى وحتى جبنا كلب صغير وسميناه على اسم الشخصية الكرتونية اللي ياسمين كانت بتحبها.
وكل ليلة كنت أقعد أقرأ له قصص ، حتى وهو باصص للسقف من غير أي رد فعل.
كان بيفهمني بالإشارة أو بهزة راس أو بنظرة من عينيه.
لكن صوته اختفى.
عدت تمن سنين. يوسف بقى عنده تلاتاشر سنة. طول وملامحه بقى فيها هدوء غريب ، هدوء يملأ المكان من غير ما ينطق.
مدرسينه كانوا دايمًا يقولوا إنه من أذكى وأهدى الطلبة وعمره ما عمل مشكلة.
بس ولا مرة اتكلم.
كل سنة ، في ذكرى وفاة ياسمين ، كنت بجمع العيلة في البيت.
أحط صورتها فوق الرف وأجيب الورد اللي كانت بتحبه ونجتمع كلنا ندعيلها ونفتكرها.
السنة دي جوزي جه زي كل مرة.
كان يدخل يقعد في آخر السفرة ، ما يبصش ناحية يوسف أبدًا ويقوم يمشي قبل ما حد يقدم الحلو.
لكن المرة دي كانت مختلفة.
من أول ما دخل ، يوسف ما شالش عينه من عليه.
كنا في نص العشا والسكوت مالي المكان السكوت اللي بيكون موجود لما الناس تخاف تقول أي كلمة قدام وجع قديم.
فجأة يوسف حط الشوكة على الطبق.
وبص لكل اللي قاعدين بالراحة.
بص لي وبص لجده وجدته وفي الآخر ثبت عينه على أبوه.رفع صباعه ناحيته وفتح بقه وأول كلمات نطقها ابني بعد تمن سنين خلت كل واحد قاعد على السفرة يتجمد في مكانه.
رفع يوسف صباعه ناحية أبوه، وصوته خرج مبحوح كأنه خارج من بئر عميق بعد سنين طويلة من الصمت: