حجز زوجى٢
الفصل الثالث
هبوط طائرة شرم الشيخ على ممر المطار ما كانش مجرد نهاية لرحلة جوية استمرت ساعة، ده كان بمثابة إعلان رسمي لبداية معركة حقيقية على الأرض.
الناس بدأت تقوم من مكانها وتجيب شنطها من فوق الرؤوس، والزحمة والزنقة ملوا ممر الطيارة الضيق. أحمد فضل قاعد مكانه في الكرسي 7A، كأن رجليه اتصبوا في الأرض وبقوا أثقل من كرسي الطيارة نفسه. ووشه كان باهت، شاحب، والستارة البلاستيكية الصغيرة اللي على الشباك منعكسة على عينيه المكسورتين. سارة قامت بتوتر شديد، عينيها حمرا من العياط والدموع ناشفة على خدودها، ووطت تجيب شنطتها الصغيرة وهي بتتمتم بصوت واطي:
— أنا هندم اليوم اللي عرفتك فيه يا أحمد… حسبي الله ونعم الوکیل فيك وفي كدبك.
مريم كانت قاعدة في مكانها هادية تماماً، بتلم أوراقها بهدوء مستفز ومدروس، وحطت الدفتير وتليفونها في شنطتها ببطء شديد كأنها بتستمتع بكل ثانية عذاب أحمد بيعيشها. ولما سارة خلصت ووقفت في الممر عشان تنزل، مريم قامت وراها على طول، وقفت جنب أحمد اللي كان لسه قاعد مكانه، وبصت له من فوق لتحت وقالت بنبرة حادة وواطية:
— مستنيك بره في صالة الوصول يا أحمد… بلاش تتأخر، أصل السواق اللي باعتين ياخدنا مش هيستنى كتير.
أحمد بلع ريقه بصعوبة وقال بصوت مأساوي:
— مريم… استني… خلينا نتكلم لوحدنا من غير ما سارة تسمع… حرام عليكي، السفرية دي باظت، والاتفاق اللي بيني وبينها اتقلب كابوس.
— اتفاق إيه اللي باظ يا حبيبي؟ — ردت مريم بابتسامة ساخرة هزت أعصابه — دا إنت لسه هتششوف اتفاقات المحامين هتعمل فيك إيه! انزل ووريني شطارتك.
خرجوا من الطيارة، ومشيوا في ممر الخروج لحد ما وصلوا لصالة الوصول والباسبورات في مطار شرم الشيخ. الجو بره كان هادئ، والناس ماشية حواليهم باللبس الصيفي، بس الجو بين التلاتة كان مشحون بطاقة كهرباء ممكن تولع في المكان في أي لحظة.
سارة وقفت فجأة على جنب، وبصت لأحمد وقالت بحسم وقسوة:
— اسمعني كويس يا أحمد… لحد هنا وكفاية أوي. أنا مش هكمل معاك الخطوة دي ولا هطلع معاك الفندق. أنا هحجز أول طائرة راجعة القاهرة دلوقتي حالا، وإنسى إنك عرفتني في يوم من الأيام. إنت إنسان كذاب، وكنت بتلعب بيا زي ما كنت بتلعب بمراتها!
أحمد حاول يمسك إيدها بخنوع:
— سارة.. أرجكي اسمعيني… افهمي ظروفي.. أنا كنت هطلقها فعلا..
— ارفع إيدك عني! — صرخت سارة في وشهُ بصوت خلا بعض السياق يبصوا عليهم — طلقها ولا متطلقهاش.. دي مشكلتك وحدك! أنا حياتي أغلى عندي من إني أضيعها مع واحد زيك سارق فلوس بيته عشان يفسحني!
سارة اتحركت بسرعة وراحت ناحية مكاتب حجز الطيران، وسابت أحمد واقف في نص الصالة لوحده، شبه ميت.
مريم كانت واقفة على بعد خطوات قليلة بتتفرج على المشهد بكل برود أعصاب. قربت منه خطوتين، ورفعت حواجبها وقالت:
— شكarاً يا أحمد… سارة وفرت عليا كتير من الكلام. فاضل دورك إنت بقى.
أحمد لف وشُه ببطء ناحيتها، وعينيه كانت مليانة غضب على قهر على خوف:
— إنتِ إيه يا شيخَة؟! إنتِ شيطانة؟! إزاي قدرتي تعملي كل ده من غير ما ترمي دمعة واحدة قدامي في البيت؟ إزاي قدرتي تنظمي الخطة دي كلها في خمس أيام بس؟!
مريم قربت منه أكتر، لحد ما بقت واقفة قدامه مباشرة، وقالت بصوت هادئ وقوي قطع صمت المكان:
— أنا عشت معاك ١٢ سنة يا أحمد، كنت فاكرة إن الطيبة والسكوت دول أصل وتضحية. كنت كل ما أشوف علامة خيانة وأكذب نفسي، كنت بق..تل جزء مني عشان أحافظ على البيت وبنتنا. بس لما عرفت إنك مش بس خنتني، ده إنت سرقت تعب السنين وكمان بتحول فلوسنا عشان تبني حياة جديدة مع غيري… فهمت إن الست اللي تسكت على حقها، تستاهل تتداس. وأنا مبعرفش أداس يا أحمد.
في اللحظة دي، دخل صالة الوصول راجل طويل بيلبس بدلة رسمية، ومسك تليفونه وبص حواليه لحد ما شاف مريم. قرب منهم بخطوات ثابتة وقال باحترام:
— مدام مريم؟
مريم بصت للراجل وابتسمت:
— أه يا فندم، أهلاً بحضرتك.
الراجل طلع كارنيه ووراه ورق رسمي، وبص لأحمد وقال بصوت حاسم:
— أستاذ أحمد؟ أنا المستشار القانوني والممثل المعتمد للمكتب في شرم الشيخ، بناءً على توكيل رسمي وتكليف عاجل من محاميك في القاهرة، وبصفتنا بنباشر دعاوى إثبات تبديد أموال زَوْجية وتهريب أصول مشتركة… صدر قرار مؤقت بالتحفظ على الحسابات البنكية الخاصة بحضرتك، وتجميد كافة الأصول والتحويلات اللي تمت في آخر ست شهور، وتم إخطار الجهات المختصة في الفندق اللي كنت رايح تحجز فيه.
أحمد اتجمد في مكانه، وفتح بوقه كأنه بيلقط نفسه الأخير:
— تجميد إيه؟! وتحويلات إيه؟! أنتوا اتجننتوا؟! دي حرية شخصية وفلوسي وأنا حر فيها!
المحامي ابتسم ببرود، وطلع نسخة تانية من المستندات وحطها قدام عينه:
— القانون المصري واضح يا فندم، الأموال المكتسبة أثناء فترة الزواج تعتبر ثروة مشتركة، وإثبات تحويلها لحسابات غير مشروعة لغرض إقامة علاقات خارج إطار الزوجية بيعتبر جر..يمة تبديد وإضرار عمدي بالأسرة. وحضرتك مش هتقدر تتحرك خطوة واحدة هنا، لأن إشعارات التجميد وصلت للبنك المركزي وللفنادق الكبرى في شرم الشيخ بالفعل.