أبن سلفتى٢

جرت عليّ وشدت الولد من حضني بلهفة ورعب، وهي بتقول بصوت متقطع ووشها مجنون من الخوف: “في إيه؟! جرى إيه لابني؟! عملتي فيه إيه يا عليه؟!”
​الحاجة بصت للفرن وبصت للعبة الصغيرة اللي كانت خلاص بتتحرق وتسيح جوة النار، وفهمت المشهد في ثانية. صرخت الحاجة في وش رحمة بصوت زلزل الحوش وقالت لها: “عملت إيه؟! دي نجت ابنك من الموت المحقق يا قاسية القلب! الولد كان هيقع جوة الفرن الملهلب وإنتي سايباه وبتقفلي على روحك المطبخ! بدل ما تبوسي إيدها ورأسها إنها لحقت ابنك من النار قبل ما تاكله؟!”
​رحمة بصت للفرن وبصت للعبة اللي بتطلع دخان جوة النار، ووشها جاب ألوان.. اتخضت ودمها اتجمد. فهمت إن ابنها كان خلاص بينه وبين الموت خطوة واحدة، وإن أنا.. الست اللي هي عيرتها بقلة الخلفة وقالت عليها أرض بور وخيرها رايح لغيرها.. أنا اللي أنقذت قطعة من قلبها وحميته بروحي ونطيت في النار عشان ألحقه!
​رحمة اتسمرت مكانها، وبصتلي بعيون مليانة صدمة وذهول وعدم تصديق. ما كانتش قادرة تتكلم ولا تنطق كلمة واحدة، إيدها كانت بتترعش وهي ماسكة الولد، ورجليها ما شالتهاش فقعدت على الأرض قدامي ودموعها نزلت من غير صوت.
​في المساء، لما العيلة كلها اتجمعت بعد المغرب، وجوزي وجوزها جم من الأرض وتعب اليوم باين على وشوشهم، الحاجة حكت كل حاجة حصلت في الحوش. بس الحاجة ما حكتش بس عن الفرن والولد.. الحاجة كانت ناصحة وذكية، وعارفة إن الحقوق لازم تترد عشان النفوس تتصفى. وقفت وسط الصالة وقالت بصوت جاد وهيبة هزت البيت كله:
“يا جماعة.. قبل ما نتكلم في موضوع الولد والفرن، في حقوق ولازم ترجع لأصحابها. رحمة أخدت خمسة آلاف جنيه بتوع عليه، وقالت لها دي تلاتة بس. أنا

ساكتة من صبحية ربنا ومستنية أشوف الأمانة هترجع ولا لأ!”
​البيت كله اتكهرب. جوز رحمة بص لمراته باستغرب وصدمة، وجوزي بصلي وهو مش فاهم حاجة ووشه اتغير. جوز رحمة قام وقف وبص لمراته بنظرة شرار وقال بغضب: “الكلام ده صح يا رحمة؟! مديتي إيدك على حق سلفتك وشقاها؟ وبتاخدي فلوس مش بتاعتك؟!”
​رحمة كانت قاعدة في الأرض، راسها مكسورة في التراب، مش قادرة ترفع عينها في عين حد. العجرفة والبرود واللسان الطويل اللي كان عندها من يومين يتدبل واندفن تحت الأرض. بدأت تبكي بحرقة وتترعش، وطلعت الألفين جنيه من جيبها وأديتها لجوزها وهي بتقول بصوت مخنوق ومكسور: “آسفة.. الشيطان غواني.. الفلوس اهي والله ما لمست منها مليم.. حقك عليّ يا حجة وحقك عليّ يا عليه.”
​جوزها زق إيدها بغضب وكان هيتمد إيده عليها قدام الكل، بس جوزي وقفه ومسك إيده وقال له: “صلي على النبي يا أخويا، إحنا بيت واحد وما بينـاش ضرب ولا مهانة قدام الحريم، بس الحق يزعل.. والكلمة اللي تجرح أصعب من السرقة مية مرة.”
​أنا قمت وقفت، وبصيت لرحمة بعين مليانة طيبة وشفقة، وقالت بصوت هادي كسر الصمت اللي في الأوضة:
“الفلوس تروح وتيجي يا رحمة.. والقرشين دول مش هما اللي هيغنوا حد ولا يفقروا حد. بس الكلمة اللي طلعت منك من يومين كانت أصعب عليّ من أي سرقة. إنتي عيرتيني باللي ربنا كتبه عليّ، وقبل ما تعيريني، نسيتي إن الأرزاق والخلفة دي بأمر ربنا وحده مش بإيد حد.. ولا في حد يقدر يضمن عمره ولا ورثه للكرة الارضية بكرة.”
​رحمة كتمت وشها بإيدها وبكت بصوت عالي جداً.. بكاء واحد حاسس بالذنب والكسرة الشديدة. رفعت رأسها وجت على ركبها لحد عندي، مسكت إيدي وبستها قدام الكل، وقالت وهي بتتخنق بالدموع:
“سامحيني يا عليه.. أرجوكي سامحيني! أنا كنت عمياء والغل كان مالي قلبي وسواده عماني.. إنتي أنقذتي ابني اللي هو أغلى حاجة عندي في الدنيا، مع إني جرحتك في أغلى ما عندك. إنتي قلبك أبيض وأطهر مني ألف مرة.. أنتي مش أرض بور يا عليه، إنتي أرضك خضرا وطيّبة بتثمر خير وحنية على الكل، وسامحيني على كل كلمة تقيلة قلتها لك!”

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *