غرفة العمليات ١
لقيت بنتي الكبيرة، نور، اللي مكملتش عشر سنين، بتقرب مني بخطوات مهزوزة ومرعوبة، عنيها متعلقة بوشي وكأنها بتدور على أبوها اللي كانت تعرفه وتاه فجأة. مسكت طرف قميصي بأيدها المرتجفة، وصوتها طلع مكسور ومحمل بوجع أكبر من سنها بمراحل:
ـ طيب وإحنا يا بابا؟ إحنا بنحبك أوي.. هو أنت مش بتحبنا؟
الكلام نزل عليا زي مية تلج، حسيت بلساني اتقل ومبقتش عارف أبلع ريقي، وعينيها بتلمع بدموع بريئة فضلت مثبتة عليا وهي بتكمل بنبرة خنقتها العبرة:
ـ طيب هو إحنا زعلناك في حاجة يا بابا؟ عملنا حاجة وحشة عشان متتكلمش عننا ومتقولش لحد يخلي باله مننا؟ هو أنت زعلان عشان إحنا بنات؟ طب والله بنحبك ومش هنطلب منك أي حاجة خالص، بس متبصش في الأرض كدة وقولنا إنك مش هتسيبنا.
أختها الصغيرة جريت ومسكت في هدوم نسمة وهي بتبكي بصوت مكتوم ومش فاهمة إيه البيع والشرا ولا إيه الورث، بس حاسة إن أبوها بيتبرى منهم وبيستغنى عنهم على باب أوضة العمليات. نسمة حطت إيدها على راس بنتها وسحبتها لحضنها من غير ما تنطق ولا حرف زيادة، بس عنيها كانت كفيلة تدبحني وهي بتبصلي بجمود حقيقي ومرعب.
حاولت أمد إيدي عشان ألمس كتف نور، بس إيدي اتسمرت في الهوا؛ حسيت إني مش قادر حتى أبص في عينيها. شيطاني اللي كان بيوهمني إني “بحمي ابني وسندي” اتبخر في ثانية، وحلت محله غصة سودا سدت حلقي. كنت عايز أقولها “أنا بحبكم”، بس الكلمة وقفت في زوري، حسيتها هتطلع كدابة وملهاش أي تمن بعد ما رميتهم ورميت أمهم ورا ضهري عشان ولد لسه حتى ميعرفش ملامحي.
وفي اللحظة دي بالذات، اتفتح باب العمليات، والممرض جهز الترولي وبص لساعته بصرامة وقال:
ـ يلا يا أستاذ، الجراح مستني جوا والوقت اتأخر.. لازم تدخل العمليات حالاً.
بصيت حواليا لقيت شهيرة ماسكة الولد وواقفة متسمرة بعيد بتداري عيونها من نظرات أهلي ونسمة، وأمي وإخواتي بيبصولي بذهول وعتاب قاسي محدش فيهم حتى قدر يقولي “تقوم بالسلامة”. اتحركت بيا النقالة لجوا، والباب بيتقفل على صوت بكا بنتي اللي فضل يرن في ودني، وأنا بتجر لجوا المجهول، مش عارف هعيش ولا هموت، بس اللي كنت متأكد منه إني دخلت البنج وأنا خسران كل حاجة، حتى نفسي.
غمضت عيني والضوء الأبيض المسلط فوق راسي بدأ يبهت ويدخل في سواد مالوش آخر، وكان آخر صوت تاه في ودني هو شهقة نور بنتي وهي بتسألني: “هو إحنا زعلناك في حاجة؟”.