غرفة العمليات ١
معرفش الساعات عدت إزاي، لكن أول إحساس رجعلي كان صقيع مرعب محاوط أطرافي، وثقل جبال متكوم فوق نفوخي. حاولت أفتح جفوني بالعافية، الصورة كانت مشوشة، ريحة المطهرات خانقة، وصوت أجهزة النبض بيصفر بنغمة رتيبة وهادية.
أنا عايش.. العملية خلصت وأنا لسه بتنفس.
أول فكرة خطرت في بالي كانت وساوسي القديمة: “ابني.. وشهيرة.. زمانهم مستنيني على نار، زمان مراتي التانية اللي وقفت جمبها بتدعيلي عشان أقوم لولدها اللي شال اسمي”. دورت بعيني في الغرفة الباردة، كنت في العناية المركزة، وفجأة لمحت خيال دكتور داخل عليا ومعه ممرضة، قرب وكشف على عيني وقال بنبرة مريحة بس محايدة:
ـ حمد الله على سلامتك يا بطل، العملية كانت صعبة جداً وعدت بمعجزة، الورم استأصلناه بنجاح، وخلال ساعات هتنقل لأوضة عادية.
نسمة ما استنتش ولا ثانية؛ أخدت بناتها في حضنها بعد ما انكسر خاطرهم، وخرجت بيهم من المستشفى وعينيها مليانة دمع ووجع، مشيت وهي قافلة الباب وراها وسايبة وراها سنين من عمرها وشقاها اللي ضاع هدر. وشهيرة هي كمان مفضلتش؛ لهفتها على الورق والبيوع خلتها تلم ابنها وتجري ورا المحامي بسرعة عشان تروح الشهر العقاري وتلحق تخلص التوكيلات وتسجيل العقود، تضمن إن كل مليم بقى ملكها رسمي ومفيش فيه رجعة، لا مني لو عشت، ولا من أهلي لو جرالي حاجة.
اللي فضلوا قاعدين على كراسي الانتظار الحديد بالساعات مكانوش لا دي ولا دي.. كانوا أمي وإخواتي.
فضلت الساعات تمر مرار وبطء عليهم، مش حباً في تصرفاتي ولا طمعاً في مليم من اللي ورايا، إخواتي عمر ما كان عينهم في قرش من فلوسي، بس كان باقيلهم صلة دم مش عارفين يقطعوها وأنا بين إيدين ربنا.
فتحت عيني بعد ما البنج فك، والصداع كان بيفرتك نافوخي. بصيت حواليا بضعف ولهفة، كنت فاكر إني هلاقي شهيرة وابني أول ناس، بس اتصدمت بوشوش تانية خالص.
أمي كانت قاعدة على كرسي جمب السرير، عنيها وارمة من البكا وساكتة، وأخويا وأختي واقفين بعيد مكتفين إيديهم، ووشوشهم كلها قرف وجمود، مكنش في عين حد فيهم نظرة شفقة واحدة، نظراتهم كانت بتقول: “إنت متستاهلش القلق اللي عشناه عليك”.
حركت شفايفي بالعافية وسألت بصوت واطي ومبحوح:
ـ إ.. إنتوا هنا؟ شهيرة فين؟ وابني.. فين ابني مجاش؟
أخويا نفخ بضيق ومردش، لف وشه الناحية التانية كأنه مش طايق حتى يسمع صوتي، وأختي بصتلي بحدة وقالت بصوت مليان احتقار: