خطيبة أبنى ٢

“أنا.. أنا أم أحمد يا أم هاجر.”

ملامح الست اتغيرت فوراً، وظهرت على وشها طيبة الشرفاء وعزة نفس أصلية، ومسكت طرف طرحتها بهدوء وقالت بنبرة راقية ومفيهاش أي غل:

“أهلاً وسهلاً يا أم أحمد.. اتفضلوا، البيت بيتكوا.”

ما هانتش علينا نفسنا ولا هان علينا الكرم ده، وما قدرتش أدخل الشقة أصلاً.. وقفت على العتبة، ودموعي كرت على خدي، وبصيت للأم الشريفة دي وقلت لها بصوت مكسور ومشروخ:

“لا يا أم هاجر.. إحنا ما نستاهلش ندخل بيتك ونقعد على كرسيك قبل ما تسمحينا.. أنا جيت لحد عندك النهاردة عشان أقولك حقك عليا، وحق جزمتك فوق راسي.. أنا ظلمت بنتك واستعليت عليها، وعايرتك بشقاكي الشريف اللي المفروض الكل ينحني له احتراماً.. أنا جيت أقولك إني كنت عمياء وقاسية، وبطلب منك ومن ربنا تسامحوني.”

في اللحظة دي، خرجت هاجر من الأوضة جوه على صوتنا.. كانت لابسة بيتي بسيط، أول ما شافتنا وقفت مكانها ومسكت في إيد أمها.

بنتي ما استنتش، وقربت من هاجر بسرعة، ومسكت إيدين هاجر وهي بتبكي بحرقة وتتوسل لها:

“سامحيني يا هاجر.. والله أنا كنت عيلة وغبية وأخدي العزة بالإثم.. أنا اعتذرت لأخويا بس رفض يسمعني، والبيت من غيره بقى مقبرة.. اعتذاري ليكي ولشهادتك ولأمك الفاضلة دي من كل قلبي، ارجعي لأخويا وأنا والله هكون لك أخت وأقل منك في البيت ده!”

أم هاجر بصت لبنتها، وبعدين بصت لي وأنا بمسح دموعي وبترجاها بعيني.. الست الأصيلة أخدت نفس طويل، وقربت مني وحطت إيدها الشقيانة على كتفي بقداسة ورحمة وقالت:

“المسامح كريم يا أم أحمد.. إحنا ناس بنعرف ربنا، وما بنشيلش في قلوبنا غل.. شقايا ده هو وسامي وتاجي، وما بعجلش منه، ولما بنتي اتوجعت اتوجعت عشان كرامة أمها.. بس إحنا سامحناكم لوجه الله.”

التفتنا كلنا لـ هاجر.. كانت واقفة والدموع متجمعة في عينها الكحيلة، بصت لي ولأخت أحمد، وظهرت في عينها طيبة الهندسة وأصل التربية السليمة، وقالت بصوت هادي وراسي:

“أنا مسامحاكم.. ربنا يعلم إني ما كرهتكمش، بس كنت زعلانة على أمي وعلى نفسي.. سامحتكم عشان ربنا، وعشان أحمد اللي ما شفتش منه غير كل خير ورجولة.”

الكلمة نزلت على قلبي زي المية الباردة.. أخدت هاجر في حضني وعيطت بحرقة وأنا بتبوس رأسها، وبنتي حضنتها وهي بتستغفر.. وفي اللحظة دي بالذات، حسيت إن البيت البسيط ده هو اللي بيعلمنا الأصول، وإن المعنى الحقيقي للمقام والعز مش بالفلوس ولا بالمنظرة.. لكن بالقلوب النظيفة والنفس العفيفة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *