حماتى والحمل

— يا بنتي ادعي ربنا، إحنا لازم نروح للدكتور بكرة الصبح ونعمل الفحوصات والتحاليل ونشوف الجنين وضعه إيه… إحنا أسفين يا ندى، إحنا غلطنا لما خبينا عليكي، بس والله كان غصب عنا وكنا خايفين الفرحة تتهد.
​وقفت بعيد عنهم وأنا بحط إيدي على بطني، حاسة بمزيج مرعب من الخوف على طفلي اللي لسه مكملش أسابيع، والكسرة من أكتر شخصين وثقت فيهم ودخلت بيتهم على أساس إنهم أهلي الجداد.
​سكتت ندى لحظة، وبصت للورقة اللي في إيدها، وكانت بتفكر في الموقف الصعب اللي اتحطت فيه في أول شهور جوازها…
الجزء الثالث والأخير: بين نارين
​نزلت الكلمات عليا زي الصواعق، دماغي لفت بيا ومش قادرة أستوعب. يعني هما خدعوني من أول يوم؟ خدروا عقلي واستغلوا جهلي بالحبوب ودخلوني في لعبة خطيرة عشان يداروا على مرض عيلتهم؟
​سألتهم وأنا بالكتير قادرة أتنفس، والدموع بتخنقني:
— يعني… يعني الجنين اللي في بطني ده دلوقتي… ممكن يكون مش سليم؟!
​محمود بص للأرض وماقدرش يرد، وحماتي مسكت إيدي وقالت بسرعة:
— يا بنتي ادعي ربنا، إحنا لازم نروح للدكتور بكرة الصبح ونعمل الفحوصات والتحاليل ونشوف الجنين وضعه إيه… إحنا أسفين يا ندى، إحنا غلطنا لما خبينا عليكي، بس والله كان غصب عنا وكنا خايفين الفرحة تتهد والناس تاكل وشنا لو عرفوا إن ابننا مريض قبل ما يتجوز!
​وقفت بعيد عنهم وأنا بحط إيدي على بطني، حاسة بمزيج مرعب من الخوف على طفلي اللي لسه مكملش شهور، والكسرة من أكتر شخصين وثقت فيهم ودخلت بيتهم على أساس إنهم أهلي الجداد.
​ليلتها مكنتش قادرة أبص في وش محمود، كنت شايفة فيه شخص تاني غريب، شخص ضحى بصحة طفله المستقبلي وبأماني بس عشان “الناس ما تاكلش وشهم”. نمت في الصالة، أو بالأصح منمتش؛ قضيت الليل كله باصة للسقف وبدعي ربنا يحمي اللي في بطني ويعدي الأزمة دي على خير.
​تاني يوم الصبح، نزلت مع محمود وحماتي ورحنا لدكتور نسا وتوليد معروف. كنت حاسة إن خطواتي تقيلة، وكل خطوة بتقربني من حقيقة ممكن تدمر حياتي.
​دخلنا العيادة، ومحمود بدأ يشرح للدكتور المشكلة الوراثية اللي عنده، والجرعات المكثفة من الأدوية اللي كان بياخدها قبل الجواز واللي المفروض كان يستمر عليها لفترة قبل ما يحصل حمل.
الدكتور كان بيسمع بتركيز، وملامحه كانت بتتحول من الدهشة للجدية. طلب مني أعمل فحوصات فورية، وسحبوا مني عينات دم، وقال لنا:
— إحنا هنعمل تحاليل جينية دقيقة، وبناءً عليها هنحدد مدى تأثر الجنين. لكن صراحة، نسبة الخطر موجودة ومقدرش أنكرها، لازم ننتظر النتيجة ونشوف.
​الانتظار كان أصعب من الموت نفسه. أسبوع كامل مر عليا كأنه سنين. كنت في بيت أهلي، لأني رفضت أرجع مع محمود وحماتي؛ كنت محتاجة أكون في مكان بحس فيه بالأمان، وبعيد عن كدبهم. أهلي لما عرفوا الحقيقة اتصدموا، وبابا كان ثاير جداً وعاوز يطلقني منه، لكنه قرر يهدى لحد ما نطمن على البيبي الأول.
​أخيراً، اتصل بينا الدكتور عشان نروح نستلم النتيجة.
​رحنا كلنا، أنا وبابا ومحمود وحماتي. قعدنا قدام الدكتور اللي كان بيبص في الأوراق بتمعن. قلبى كان بيموت من الرعب، ومحمود كان عرقان وباصص للدكتور بترقب.
​الدكتور قلع نضارته، وبصلنا وقال بهدوء:
— الحمد لله… المعجزة حصلت. التحاليل الجينية واختبارات الأجنة المبدئية بتظهر إن الجنين سليم تماماً من أي طفرات أو تشوهات وراثية ناتجة عن العلاج. يبدو إن الحمل حصل في توقيت كان تأثير الدواء فيه تراجع، أو إن رحمة ربنا كانت أكبر من كل التوقعات الطبية.
​في اللحظة دي، انهار محمود في البكاء، وحماتي فضلت تدعي وتشكر ربنا بصوت عالي. أنا نزلت دموعي، بس مكنتش دموع فرحة صافية؛ كانت دموع راحة ممزوجة بوجع كبير.
​الدكتور كمل كلامه وبص لمحمود وحماتي بحدة:
— بس اللي حصل ده كان مقامرة صعبة جداً يا جماعة، والطب مش دايمًا بيسامح في الأخطاء دي. كان لازم الصراحة من الأول.
​خرجنا من العيادة، ومحمود حاول يمسك إيدي وهو بيبكي وبيعتذر:
— ندى، أنا أسف.. والله كنت هموت من الرعب عليكي وعلى ابننا. أرجوكِ سامحيني، أنا مستعد أعمل أي حاجة عشان تعوضك.
​بصيتله وبصيت لحماتي اللي كانت واقفة بتبصلي بإنكسار ورجاء، وقلتله بهدوء:
— أنا هسامحك يا محمود، بس عشان الطفل اللي في بطني ملوش ذنب يتربى بعيد عن أبوه، وعشان ربنا رحم عيلتنا من كارثة. بس الصراحة والأمانة اللي اتكسروا بينا من أول يوم… هيحتاجوا وقت طويل جداً عشان يرجعوا. ومن هنا ورايح، مفيش كلمة ولا قرار هيتاخد في حياتنا من ورايا، والحدود مع مامتك في خصوصياتنا هتتغير تماماً.
​وافقت حماتي بسرعة وهي بتهز راسها:
— اللي عوزاه يا بنتي هيجرى، المهم أنتِ واللي في بطنك تكونوا بخير.
​رجعت بيتي، وأنا عارفة إن الحياة مش هترجع زي الأول بسهولة، وإن الثقة صعبة تتبني تاني بعد الكدب. بس مسكت بطني، وابتسمت لأول مرة من قلبي، وأنا عارفة إن طفلي اللي جاي هو اللي هيديني القوة عشان أبدأ من جديد، بوعي أكبر… وبدون أي خداع.

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *