أبنها مات
لمحة نيوز
إنك ما تعرفيش غير جوزك وابنك.
دلوقتي بس فهمت إن كريم كان خايف من حاجة أكبر بكتير من الفقر والديون.
لكن مين الطفل اللي خرج من المخزن ليلة الحريق؟ وليه حد مستعد يهدد حياة ياسين علشان المفتاح ما يوصلش للحقيقة؟
والأغرب من كل ده، إن الحاجة زينب أول ما شافت الصورة، همست باسم واحد، اسم ما كانش أدهم يتخيل إنه هيسمعه تاني أبدًا…
منصور… إنت لسه عايش؟!
وفجأة، دخل أدهم باشا…
لكن المرة دي، ما كانش داخل لوحده.
كان وراه راجل غريب، لابس عباءة غامقة، وشايل صندوق خشب صغير بين إيديه، ووشه متغير كأنه جايب خبر محدش مستعد يسمعه.
الحاجة زينب أول ما شافته، شهقت وحطت إيدها على صدرها.
يا ساتر يا رب… إنت رجعت تاني؟!
صابرين بصت لها باستغراب، وبعدها بصت للراجل الغريب. ما فهمتش إيه اللي يخلي ست عاشت في القصر سنين طويلة تخاف بالشكل ده من مجرد شخص دخل من الباب.
أدهم قفل الباب وراه، وبص لصابرين اللي كانت لسه قاعدة جنب المدفأة، وياسين نايم .
قال بصوت جاد
صابرين، أنا محتاج أتكلم معاكي في موضوع مهم، بس قبل ما أقول أي حاجة، لازم تعرفي إن اللي هتسمعيه دلوقتي ممكن يغيّر كل حاجة في حياتك.
صابرين بحذر، وردت
لو الموضوع يخص شغلي، فأنا عملت اللي اتفقت عليه معاك يا باشا. الولد رضع ونام، والدكتور قال إنه محتاج متابعة.
أدهم هز راسه.
الموضوع مش بخصوص ياسين… الموضوع بخصوص ابنك حسن.
الكلمة نزلت على صابرين كأن حد سكب عليها ميّه ساقعة.
رفعت راسها بسرعة، وعينيها اتملت بالدموع.
ابني؟! إنت عرفت إيه عن ابني يا باشا؟!
الراجل الغريب قرّب خطوة، وحط الصندوق على الترابيزة، لكنه ما فتحوش.
قال بصوت واطي
أنا حفّار القبور اللي دفن ابنك يا ست صابرين.
صابرين قامت من مكانها لدرجة إن الحاجة زينب اضطرت تسند الطفل مكانها، بينما هي وقفت قدام الراجل ووشها شاحب.
وإنت جاي ليه؟! هو حتى الموتى مش هتسيبوني في حالي؟!
الراجل نزل عينيه وقال
أنا عارف إن اللي هقوله صعب، بس من يوم ما دفنت ابنك وأنا مش عارف أنام. كنت فاكر إني عملت الصح لما جيت للقصر، لكن لما عرفت إنك هنا، قررت لازم أقابلك بنفسي.
أدهم اتدخل وقال
الراجل ده جالي الصبح، وطلب يقابلني على انفراد. ولما حكى لي اللي حصل يوم دفن حسن، أمرته يجيب الصندوق ده بنفسه.
صابرين بصت للصندوق، وإيديها بدأت ترتعش.
فيه إيه جوه الصندوق ده؟
حفّار القبور بلع ريقه، وبعدها رفع الغطا بالراحة.
كان جواه قطعة قماش صغيرة، ومفتاح حديد قديم، وورقة مطوية بعناية.
صابرين قربت وهي مش قادرة تبعد عينيها عن قطعة القماش.
دي كانت من الملاية اللي لفّت بيها ابنها يوم الدفن.
مسكتها بين صوابعها، وانهارت في العياط.
دي بتاعته… دي من ملاية حسن!
لكن قبل ما تلحق تسأل عن باقي الحاجات، حفّار القبور قال جملة خلتها تتجمد مكانها
يوم ما دفنت ابنك، لقيت حاجة مدفونة في التراب جنبه… حاجة ما كانش المفروض توصل لإيدك أبدًا.
أدهم بص له بحدة.
كمّل يا راجل، إنت جاي تحكي، احكي كل اللي عندك.
الراجل أشار للورقة.
الورقة دي كانت ملفوفة حوالين المفتاح. وأنا ما عرفتش أقراها، لكن عرفت اسم واحد مكتوب عليها… اسم كريم، جوز الست صابرين الله يرحمه.
صابرين حسّت إن الأرض بتلف بيها.
جوزها كريم مات من شهور، وكان مجرد حمّال بسيط في المينا، عمره ما دخل قصر ولا احتك بكبار البلد.
إيه اللي يخلي اسمه يظهر في ورقة مدفونة جنب قبر ابنه؟!
مدّت إيدها وأخدت الورقة، لكن قبل ما تفتحها، أدهم مد إيده ناحيتها وقال
استني يا صابرين.
بصت له بصدمة.
حتى الورقة اللي تخص جوزي وابني هتمنعني أشوفها؟!
أدهم سحب إيده فورًا، وقال
لأ، بس لازم تعرفي إن الراجل ده قال لي حاجة تانية قبل ما ييجي هنا… حاجة ممكن تعرّضك للخطر لو استعجلنا.
صابرين فتحت الورقة رغم خوفها.
كان مكتوب فيها بخط قديم
المفتاح ده ما يتسلّمش لأي حد من عيلة المنشاوي… مهما حصل.
رفعت عينيها ناحية أدهم ببطء.
الراجل اللي قدامها هو أدهم المنشاوي نفسه.
وفي اللحظة دي، الحاجة زينب صرخت
يا نهار أسود! المفتاح ده كان المفروض يفضل مدفون للأبد!
أدهم لفّ ناحيتها بعنف.
إنتِ تعرفي المفتاح ده منين يا زينب؟!
الحاجة زينب رجعت لورا، ووشها بقى أصفر، وكأنها أخيرًا فهمت إن السر اللي خبّته طول السنين بدأ يخرج للنور.
أما صابرين، فكانت بتبص للمفتاح الحديدي، وبعدها للورقة، وهي بتحاول تجمع الأحداث في عقلها.
كريم… حسن… عيلة المنشاوي… ومفتاح كان المفروض ما يوصلش لأي حد منهم.
وفجأة، ياسين اتحرك في حضن الحاجة زينب وبدأ يعيط، لكن صابرين ما قدرتش تتحرك ناحيته من شدة الصدمة.
لأن أدهم باشا قال بصوت مخنوق
يا زينب، لو المفتاح ده هو اللي أنا شاكك فيه… يبقى الراجل اللي قتل أبويا من عشرين سنة ممكن يكون لسه عايش!
وبص لصابرين وأضاف
والأخطر من كده… إن جوزك كريم يمكن ما كانش مجرد حمّال بسيط زي ما إنتِ فاكرة!
يتبع…
صابرين ما استنتش لحظة واحدة.
سلّمت ياسين للحاجة زينب، وقالت لها وهي بتحاول تثبّت صوتها
خدي بالك منه، ولو حصل أي حاجة، ما تسيبيهوش لوحده. أنا لازم أعرف أدهم باشا راح فين.
الحاجة زينب مسكت إيدها بخوف.
استني يا بنتي! إنتِ مش عارفة المخزن ده فيه إيه، ولا مين ممكن يكون مستنيكي هناك!
صابرين بصت لها والدموع متجمعة في عينيها.
أنا دفنت جوزي وابني بإيدي، وكنت فاكرة إن خلاص مفيش حاجة في الدنيا تقدر توجعني أكتر. لكن دلوقتي فيه راجل ممكن يكون في خطر بسبب سر له علاقة بجوزي، وأنا مش هقدر أقعد مستنية لحد ما يرجعولي بخبر موته.
خرجت صابرين من الأوضة، وراحت ناحية المخزن القديم.
كان القصر كله في حالة فوضى. الخدم بيتحركوا بسرعة، والحراس بيفتشوا الحجرات والممرات، وكل واحد بيسأل التاني إذا كان شاف الباشا.
لما وصلت صابرين لساحة القصر الخلفية، لقت كبير الحرس واقف قدام عربية قديمة، وبيتكلم مع اتنين من رجاله.
أول ما شافها، قال بعصبية
إنتِ بتعملي إيه هنا؟ ارجعي جوه فورًا!
ردت عليه
أنا مش هرجع غير لما أعرف أدهم باشا فين.
دي أوامر الباشا قبل ما يختفي. محدش يقرب من المخزن!
صابرين رفعت الورقة اللي كانت معاها.
الورقة دي اتكتبت علشان تستدرجه للمكان ده. ولو فضلتوا واقفين هنا بتنفذوا أوامر راجل مختفي، ممكن ما نلاقيهوش أبدًا.
كبير الحرس اتردد.
كان واضح إنه مش مقتنع، لكن كلامها خلاه يبص ناحية المخزن بقلق.
وفي النهاية، قرر يرافقها بنفسه.
وصلوا للمبنى القديم، اللي كان واقف في آخر أرض القصر، بعيد عن باقي المباني. الباب الخشبي كان مفتوح، والقفل الحديدي مكسور فعلًا، وعلى الأرض آثار أقدام كتير، بعضها داخل وبعضها خارج.
صابرين دخلت بحذر.
ريحة الخشب المحروق والتراب القديم كانت مالية المكان، وعلى الحيطان بقايا علامات سوداء من الحريق اللي حصل من عشرين سنة.
لكن أول حاجة لفتت نظرها كانت مكتب خشب صغير في آخر المخزن.
فوقه كانت فيه صورة كريم، نفس الصورة اللي شافتها في القصر، لكن المرة دي كان واقف جنب طفل صغير، وفي إيده ورقة ملفوفة.
صابرين قربت من الصورة، ولما قلبتها، لقت جملة مكتوبة على ضهرها
الأمانة مش في الصندوق… الأمانة في الاسم اللي محدش فكر يسأل عنه.
همست لنفسها
اسم مين؟!
بدأت تفتش المكتب، لحد ما لقت درجًا مقفولًا. جربت المفتاح الحديدي، لكنه ما دخلش فيه.
كبير الحرس قال لها
ابعدي يا ست صابرين، خلينا نكسر الدرج.
لكنها لاحظت علامة صغيرة محفورة على الخشب، نفس العلامة اللي كانت على خاتم كريم.
طلعت الخاتم من جيبها، وحطته في تجويف صغير في الدرج.
سمعوا صوت طقة خفيفة.
والدرج اتفتح.
جواه كانت فيه مجموعة أوراق قديمة، وخطابات مربوطة بشريط قماش، ودفتر حسابات مكتوب على غلافه أمانات المينا.
صابرين فتحت أول خطاب.
كان مكتوبًا بخط كريم، وعليه تاريخ يرجع لقبل جوازهم بسنتين.
إلى السيد محمود المنشاوي…
أنا وافقت أخبّي الطفل بعيد عن الناس اللي بتدور عليه، لكن لازم تعرف إن حماية الطفل مش معناها إننا نغيّر اسمه ونمحي أصله. لو حصل لي أي حاجة، خلي المفتاح يوصل للي يقدر يحميه، مش للي عايز يستغله.
إيد صابرين بدأت ترتعش.
قلبت الورقة، لقت في آخرها اسمًا واحدًا، مكتوبًا بوضوح
ياسين محمود المنشاوي.
شهقت صابرين، ووقعت الورقة من إيدها.
ياسين!
ابن أدهم!
لكن إيه علاقة اسمه بمخزن اتحرق من عشرين سنة؟ الطفل اللي في الصورة كان عمره سنة أو أقل، بينما ياسين لسه مولود من أيام!
كبير الحرس أخد الورقة، وقراها مرتين، وبعدها بص لها بذهول.
ده معناه إيه؟!
صابرين ردت وهي بتحاول تفكر
معناه إن فيه حد استخدم اسم ياسين في السر ده من زمان، أو إن فيه حاجة في الأوراق دي إحنا لسه مش فاهمينها.
وقبل ما يكملوا البحث، سمعوا صوت خبطة جاية من ورا الحيطة الخلفية.
كبير الحرس سحب سلاحه، وأشار لصابرين إنها تبعد.
لكن صابرين لاحظت إن الصوت بيتكرر بإيقاع منتظم، كأن حد بيخبط من الناحية التانية.
قرّبوا من الحيطة، ولقوا ستارة قديمة مغطية بابًا صغيرًا ما كانش ظاهر من بعيد.
فتحوا الباب، فظهر ممر ضيق نازل تحت الأرض.
ومن آخر الممر، جه صوت راجل متعب
لو فيه حد بره… بالله عليكم، ما تسيبونيش هنا!
صابرين عرفت الصوت فورًا.
أدهم باشا؟!
جريت ناحية الممر، لكن كبير الحرس منعها وقال
استني! ممكن يكون فخ!
من جوه، الصوت رجع تاني
صابرين! لو إنتِ اللي بره، اسمعيني كويس! ما تثقيش في فؤاد!
كبير الحرس بص لها بصدمة.
صابرين نزلت أول درجة، لكن قبل ما توصل لآخر الممر، ظهر راجل من الضلمة، ماسك مصباح زيت في إيده.
كان أدهم باشا، هدومه متربة، وفي جبهته جرح صغير.
أول ما شافها، قال
الحمد لله إنك جيتي… لكن لازم نخرج من هنا حالًا.
صابرين سألته بسرعة
مين حبسك هنا؟ وفؤاد له علاقة بالموضوع ده إزاي؟
أدهم هز راسه.
فؤاد مش مجرد محاسب في القصر. هو كان عارف إن أبويا خبّى مستندات تثبت إن فيه ناس استولت على أملاك مش من حقها. ولما دخلت المخزن، لقيته مستنيني. حصلت خناقة، وقدر يقفل الباب عليّا من بره.
طب والطفل اللي في الورق؟!
أدهم بص لها طويلًا، وبعدها قال
أنا بدأت أفهم. الطفل اللي أنقذه كريم من الحريق مش أنا، ولا ياسين ابني. الطفل ده كان ابن منصور السيوفي، وكان فيه ناس عايزة تتخلص منه علشان تستولي على ميراثه.
صابرين حطت إيدها على صدرها.
وأمال ليه اسم ياسين مكتوب في الخطاب؟!
أدهم رد
لأن ياسين كان اسم الطفل اللي كريم اختار إنه يخبيه بيه، قبل ما يتغير اسمه رسميًا بعد كده. لكن أنا لسه مش عارف ليه الاسم ده اتكرر في عيلتنا.
وفي اللحظة دي، سمعوا صوت خطوات فوقهم، وبعدها صوت فؤاد وهو بيقول للحراس
فتشوا المخزن كله! الباشا لازم ما يخرجش من هنا حي!
كبير الحرس رفع سلاحه، لكن أدهم مسكه من إيده وقال بصوت واطي
استنى. لو واجهناه دلوقتي، ممكن يهرب ومعاه الحقيقة كلها.
وبعدين بص لصابرين، وقال
فيه حاجة تانية لازم تعرفيها. وأنا محبوس هنا، لقيت صندوقًا صغيرًا في الحيطة. جواه شهادة ميلاد قديمة، وعليها اسم كريم.
صابرين همست
شهادة ميلاد مين؟
أدهم طلع ورقة مطوية من جيبه، وفتحها قدامها.
كان فيها اسم الأب كريم عبدالسلام.
واسم الأم مريم حسن.
أما اسم الطفل…
فكان مكتوبًا بخط واضح منصور كريم عبدالسلام.
صابرين رجعت لورا، ووشها شحب.
لأن مريم حسن ما كانتش اسم أم كريم، ولا اسم أي ست تعرفها.
دي كانت اسم واحدة جارتها القديمة حكت لها عنها من سنين، وقالت إنها ماتت وهي بتولد طفلها، وإن كريم كان بيزور قبرها كل سنة من غير ما يشرح السبب.
أدهم بص لصابرين وقال
لو الشهادة دي صحيحة، يبقى فيه شخص من عيلة كريم عايش، وممكن يكون هو الوريث الحقيقي لأملاك منصور السيوفي.
لكن صابرين ما كانتش بتبص للشهادة.
كانت بتبص للتاريخ المكتوب عليها.
لأن تاريخ الميلاد كان نفس اليوم اللي اتولد فيه حسن، ابنها اللي مات من أربعة أيام.
وفجأة، سمعت صوت ياسين من بعيد، جاي من ناحية القصر، وبعده صوت الحاجة زينب وهي بتصرخ
الحقوني! فؤاد أخد الطفل!
أدهم اندفع ناحية السلم، وصابرين جريت وراه، وقلبها بيدق بعنف.
لكن أول ما خرجوا من المخزن، لقوا على الأرض ورقة جديدة، مثبتة بسكين في الباب.
فتحها أدهم، وقرا السطر المكتوب فيها
لو عايزين الطفل يرجع، هاتوا المفتاح الأصلي، وتعالوا للمينا قبل شروق الشمس… وصابرين تيجي لوحدها.
أدهم رفع عينيه ناحية صابرين.
كانت واقفة قدامه، ووشها مليان خوف، لكنها قالت بثبات
هروح.
أدهم رد فورًا
مش هسمح لك تعرّضي نفسك للخطر.
صابرين بصت له وقالت
فؤاد أخد طفل رضيع ما يعرفش يدافع عن نفسه. وأنا مش هسيبه يتأذى علشان سر مش فاهمينه لسه.
أدهم قبض إيده، وبص ناحية الطريق المؤدي للمينا.
كان قدامه ساعات قليلة قبل شروق الشمس، وكان لازم يقرر ينقذ ابنه الأول، ولا يمسك الراجل اللي ممكن يكون مفتاح كل أسرار عيلته.
لكن اللي محدش فيهم كان يعرفه، إن فؤاد ما كانش لوحده في خطته… وإن الشخص اللي استناه في المينا كان آخر واحد ممكن يتوقعوا إنه يعرف الحقيقة عن كريم.
أدهم باشا أول ما سمع الاسم، وشه اتغير تمامًا.
لف ناحية الحاجة زينب، ومسك ضهر الكرسي بإيده كأنه بيحاول يثبت نفسه.
إنتِ قلتي مين يا زينب؟!
الحاجة زينب كانت بتبص للصورة، ودموعها نازلة من غير ما تحس.
منصور يا باشا… منصور السيوفي. الراجل اللي