أبنها مات

مين الشخص ده؟
العجوز فتح فمه علشان يرد، لكن فجأة سمعوا صوت عربة بتقف بره البيت.
وبعدها، دخل ولد صغير وهو بينهج، وفي إيده ظرف مختوم.
الرسالة دي وصلت حالًا من المينا، وقالوا لازم تتقري قدام الست صابرين.
صابرين فتحت الظرف بسرعة.
كان جواه صورة حديثة لرجل عجوز، واقف قدام مخزن كبير،
وعلى ضهر الصورة، كانت فيه جملة واحدة
أنا منصور السيوفي. لو عايزة ابن الباشا يرجع، تعالي للمكان اللي بدأ منه كل شيء، وهتعرفي ليه كريم اختارك إنتِ بالذات علشان تكوني حارسة السر.
أدهم خطف الصورة من إيدها، وبص للرجل العجوز اللي واقف قدامه.
لكن الصدمة الحقيقية كانت لما الرجل أشار للصورة وقال
ده مش منصور السيوفي.
صابرين شهقت.
أمال مين ده؟!
العجوز قرب من الصورة، ومرر صباعه على وش الرجل، وقال بصوت مرتعش
ده أخوه التوأم… الرجل اللي اتدفن مكانه من عشرين سنة، واللي كلنا كنا فاكرينه مات في الحريق.
وبعدين رفع عينيه لصابرين وأضاف
ولو هو اللي أخد ياسين، يبقى منصور الحقيقي مش هو اللي بيحرك اللعبة دي… فيه حد تاني أخطر منه، وحد قريب جدًا من القصر، هو اللي دبّر كل حاجة من البداية!
وفي اللحظة دي، أدهم بص لصابرين، وكأنه أخيرًا بدأ يشك في الشخص اللي كان بيثق فيه أكتر من أي حد…
الحاجة زينب.
النهاية السر اللي اتدفن عشرين سنة رجع يدمّر أصحابه!
أدهم باشا فضل باصص للصورة، مش قادر يصدق إن كل اللي حصل ممكن يكون وراه شخص من أقرب الناس للقصر.
لكن صابرين رفعت إيدها وقالت بحزم
لأ يا باشا، قبل ما نتهم الحاجة زينب، لازم نعرف الحقيقة. الست دي كانت واقفة جنبي وأنا بعيط على ابني، وفضلت تحاول تساعدني من أول يوم دخلت فيه القصر. مش هظلمها لمجرد إننا خايفين.
الرجل العجوز هز راسه بإعجاب، وقال
عندك حق يا بنت مريم. الشك لوحده ما يبقاش دليل، حتى لو كان صاحبه أقرب الناس لينا.
أدهم بص له بحدة.
إنت بتقول بنت مريم ليه كل شوية؟! إيه اللي تعرفه عن أم صابرين؟
العجوز سكت لحظات، وبعدها حط إيده في جيب عباءته وطلع خطابًا قديمًا، مختومًا بختم عيلة السيوفي.
أمها ما كانتش ست فقيرة زي ما الناس فاكرة. مريم كانت بنت منصور السيوفي، الوريثة الوحيدة لجزء كبير من أملاكه. ولما اكتشفت إن فيه ناس بتزوّر عقود الأراضي علشان تستولي عليها، هربت من القاهرة، واتجوزت بعيد عن عيلتها، وغيّرت اسمها علشان تحمي نفسها.
صابرين حسّت إن الدنيا بتلف بيها.
يعني أمي كانت بنت منصور؟!
أيوه. وكريم عرف الحقيقة بعد جوازكم. لكنه ما كانش عايزك تدخلي في صراعات العيلة، فاختار إنه يحميكي ويحمي ابنكم.
أدهم فتح الخطاب، وبدأ يقرأه بصوت مسموع.
كان فيه اعترافات مكتوبة بخط منصور السيوفي، بتثبت إن أراضي كتير اتسجلت بأسماء مزيفة، وإن محمود المنشاوي، والد أدهم، كان بيحاول يكشف التزوير قبل ما يموت.
لكن اللي صدم أدهم فعلًا كان آخر سطر
لو وصلت الرسالة دي لحفيدتي صابرين، يبقى الأمانة رجعت لصاحبتها، والحق لازم يرجع لأصحابه مهما طال الزمن.
صابرين غطت وشها بإيديها.
طول عمرها عاشت وهي فاكرة إن الفقر قدرها، وإن كل اللي تملكه هو بيت صغير وزوج طيب وطفل بتحلم تربيه. ما كانتش تعرف إن اسم عيلتها نفسه مرتبط بأملاك وحقوق اتسرقت من سنين.
لكنها ما سألتش عن الفلوس.
كان سؤال واحد بس بيحرق قلبها
وياسين؟ فين ابني الصغير؟!
العجوز رد بسرعة
لازم نتحرك للمينا. أخو منصور التوأم، جابر، هو اللي معاه الطفل. لكنه مش هيؤذيه، لأنه محتاجه علشان يوصل للأوراق الأصلية.
أدهم قام فورًا، ونادى رجاله.
هنروح كلنا. المرة دي مش هسيب حد يهرب.
وصلوا للمينا قبل الشروق بقليل.
المكان كان شبه مهجور، والمخازن القديمة واقفة وسط الضباب، وصوت الموج بيتخبط في المراكب الخشبية.
صابرين نزلت من العربية، وقلبها بيدق بعنف.
ومن بعيد، شافت رجلًا واقفًا عند باب المخزن، شايل ياسين بين إيديه.
صرخت
ياسين!
الرجل لف ناحيتها، وقال
خطوة واحدة كمان، والطفل هيفضل هنا لحد ما تجيبوا لي الأوراق!
أدهم تقدم بحذر.
سيب الطفل يا جابر. مش هتقدر تهرب، والمخازن كلها محاصرة.
جابر ضحك بسخرية.
إنت فاكر إن الموضوع كله أوراق؟ أبوك دمّر حياتي علشان رفض يشاركنا في اللي كنا بنعمله. ومنصور سرق مني حقي، وكريم أخفى الطفل اللي كان ممكن يثبت إن الأملاك دي بتاعتي!
صابرين بصت له وقالت
إنت بتتكلم عن حقك، لكن إنت دلوقتي خاطف طفل رضيع مالوش ذنب في أي حاجة حصلت من عشرين سنة!
جابر بص لياسين، اللي كان بيعيط في حضنه، وللحظة ظهر التردد على وشه.
صابرين استغلت اللحظة، وقربت خطوة وقالت بصوت هادي
ادّيهولي. الطفل محتاج أكل ودفا، ومش فاهم إنت عايز منه إيه. لو عندك حق، خده بالقانون، لكن ما تحولش طفل بريء لوسيلة تهدد بيها الناس.
جابر بص لها طويلًا، وبعدها مد إيده ناحية أدهم.
هات المفتاح الأصلي.
أدهم طلّع المفتاح وحطه على الأرض، ودفعه ناحيته.
جابر انحنى ياخده، وفي اللحظة دي صابرين جريت ناحيته، وخطفت ياسين من إيديه، ورجعت بسرعة ناحية أدهم.
رجال الحراسة اندفعوا وسيطروا على جابر، من غير ما يصيبوا حد بأذى.
صابرين ضمت ياسين لصدرها، ودموعها نازلة من الفرحة.
الحمد لله… الحمد لله إنك بخير يا حبيبي.
أدهم وقف جنبها، ولمس رأس ابنه برفق، وبعدها بص لجابر وقال
المرة دي، كل حاجة هتظهر. لا اسم عيلتي هيحمي مذنب، ولا الفلوس هتشتري سكوت حد.
لكن المفاجأة الأكبر كانت مستنياهم لما رجعوا القصر.
الحاجة زينب كانت قاعدة في الصالة، وقدامها صندوق خشبي قديم.
أول ما شافت صابرين وياسين، قامت بسرعة واحتضنت الطفل، وبعدها بصت لأدهم.
أنا كنت عارفة إن اليوم ده هييجي.
أدهم سألها
إنتِ كنتِ عارفة إيه يا زينب؟
الحاجة زينب فتحت الصندوق، وطلعت منه دفترًا قديمًا، وقالت
أبوك سلّمني الدفتر ده قبل ما يموت. فيه الحسابات الأصلية، وأسماء الناس اللي زوروا العقود، وإثباتات إن أملاك منصور اتاخدت ظلم. خبيته كل السنين دي، لأني كنت خايفة إن ظهوره يعرّض حياة الناس للخطر.
أدهم أخد الدفتر، وبدأ يقلب صفحاته.
وبعد ساعات من المراجعة، اكتشف إن فؤاد كان بيزوّر الحسابات من سنين، وإنه هو اللي ساعد جابر يخطط لخطف ياسين، على أمل يوصل للمستندات ويخفي كل الأدلة اللي بتدينه.
اتقبض على فؤاد، واتحالت الأوراق للجهات المختصة، وبدأ التحقيق في قضية التزوير والاستيلاء على الأملاك. وبعد مراجعة المستندات وشهادات الشهود، رجع جزء كبير من الحقوق لأصحابها الشرعيين.
أما جابر، فواجه المحاكمة على جرائمه، واتكشفت الحقيقة اللي حاول يدفنها عشرين سنة.
وأدهم، لأول مرة في حياته، فهم إن الحفاظ على اسم العيلة مش معناه إنه يخبي أخطاءها، لكن إنه يصلحها مهما كان الثمن.
مرت شهور.
صابرين ما سابتش ابنها حسن في طي النسيان، ولا حاولت تعوضه بطفل تاني.
بجزء من الحقوق اللي رجعت لعيلتها، اشترت قطعة أرض صغيرة جنب المقابر، وأقامت عليها شاهد قبر جميل، كتبت عليه اسم ابنها كاملًا
حسن كريم عبدالسلام… ابننا الحبيب، اللي عاش قليلًا وترك في قلوبنا حبًا لا يموت.
وقفت قدام قبره، وحطت وردة بيضا، وهمست
سامحني يا ابني إني ما قدرتش أحميك من المرض. بس أوعدك إن اسمك مش هيتنسي، وإن أمك هتفضل فاكرة ضحكتك طول عمرها.
ولأول مرة من يوم وفاته، حست إن دموعها مش بس وجع، لكن كمان حب ووفاء لروح طفل عمره ما هيغيب عن قلبها.
أما ياسين، فاستعاد صحته بالتدريج، تحت متابعة الطبيب ورعاية صابرين، اللي فضلت مرضعته واهتمت بيه بحنان، من غير ما تحاول أبدًا تاخد مكان أمه الراحلة.
وأدهم وفّى بوعده لصابرين، وساعدها تستعيد حقوق عيلتها، لكنه ما فرضش عليها تفضل في القصر، ولا عاملها باعتبارها مدينة له بأي حاجة.
وبعد فترة، صابرين قررت تعيش في بيت مستقل قريب من القصر، وتفتح مكانًا صغيرًا لمساعدة الأرامل والأمهات اللي فقدوا أزواجهم، علشان ما تضطرش ست تانية تواجه الجوع والوحدة اللي عاشتهما هي.
وأدهم دعم المشروع، وخصص له جزءًا من أملاك العيلة، بعد ما اتأكد إن المساعدة توصل لمستحقيها من غير إهانة ولا استغلال.
وفي يوم افتتاح المكان، وقف أدهم جنب صابرين وقال لها
إنتِ دخلتي القصر وإنتِ فاكرة إنك جاية تطلبي لقمة عيش، لكن إنتِ كنتِ السبب في إننا نعرف الحقيقة ونرجّع الحقوق لأصحابها.
صابرين ابتسمت بحزن هادي، وقالت
أنا ما كنتش بدور على كنز يا باشا. كنت بدور على طريقة أعيش بيها بعد ما فقدت ابني. وكل اللي حصل علّمني إن الإنسان ممكن يخسر حاجات كتير، لكن ما ينفعش يخسر كرامته معاها.
بص أدهم ناحية ياسين، ، وقال
وأنا اتعلمت إن السلطة من غير عدل ملهاش قيمة، وإن أغلى حاجة ممكن يسيبها الأب لابنه مش المال ولا الأملاك، لكن ضمير نظيف.
وبعدها صابرين رجعت تبص ناحية القبر البعيد اللي دفنت فيه حسن، ورفعت عينيها للسما.
كانت لسه بتشتاق له، ولسه فيه ليالٍ بتصحى فيها من النوم وهي فاكرة صوته، لكن الحزن ما بقاش هو الحاجة الوحيدة اللي بتعرفها عن نفسها.
لقد فقدت زوجها وابنها، لكنها ما فقدتش شجاعتها، ولا كرامتها، ولا قدرتها على إنها تبدأ من جديد.
والدرس اللي فضل من حكاية صابرين إن الفقر مش عيب، والحزن مش ضعف، وإن الحق ممكن يتأخر سنين طويلة، لكنه ما يفقدش قيمته لمجرد إن أصحابه تعبوا في انتظاره.

الصفحة السابقة 1 2 3 4

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *