بعد عشر سنين
بعد عشر سنين من يوم ما جوزي رماني ب جنيه وطردني من حياته وأنا حامل في توأم، شوفته بالصدفة على التلفزيون وهو بيقول لملايين الناس أكبر ندم في حياتي إني مخلفتش!
بصيت للولد والبنت اللي عندهم عشر سنين، واللي نايمين جنبي، والاتنين واخدين ملامحه نسخة منه، وضحكت من قلبي.
وبعت رسالة لمحاميّتي
جهّزي الدعوات… أنا والتوأم هنحضر حفل شركته، وهنكون ضيوف الشرف!
اسمي مريم عبدالسلام، وطليقي، ياسين عبدالسلام، بقى واحد من أشهر وأغنى رجال الأعمال في مصر، ومالك مجموعة شركات اسمها عبدالسلام جروب.
الليلة دي، كان طالع في لقاء تلفزيوني، وشكله زي الفل.
بدلة متفصّلة عليه بالملي، ساعة غالية، وكلام محسوب، وحزن مرسوم على وشه كأنه خارج من مسلسل درامي.
المذيع مال ناحيته وسأله
يا فندم، إنت قدرت في عشر سنين بس تحوّل شركتك لإمبراطورية اقتصادية، واسمك بقى من أكبر الأسماء في عالم البيزنس… إيه أكتر حاجة ندمت عليها في حياتك؟
ياسين نزل عينيه للأرض، وأخد نفس طويل، وقال بصوت كله أسى
أنا اديت كل عمري للشغل، ونسيت أبني حياة شخصية حقيقية… نسيت أعمل أسرة.
وبعدين قال الجملة اللي خلت الدم ينشف في عروقي
أكبر ندم في حياتي إني مخلفتش، وإن مفيش عندي ولاد.
في ثواني، مواقع التواصل اتقلبت تعاطف معاه.
يا عيني عليه، معاه فلوس الدنيا كلها بس محروم من نعمة العيال!
ربنا يعوضه، واضح إنه إنسان محترم ويستاهل يبقى أب.
تخيل تبقى ناجح في كل حاجة، إلا إنك تعمل أسرة!
قفلت التلفزيون.
وبصيت على التوأم اللي نايمين جنبي.
آدم، حتى وهو نايم، كان مكشّر حواجبه كأنه داخل اجتماع مع مجلس إدارة شركة، ومش ناوي يوافق على أي صفقة بسهولة.
أما ليلى، فكانت نايمة جنبه، خدودها مورّدة وعلى وشها ابتسامة صغيرة.
الاتنين عيونهم عيون ياسين.
نفس المناخير.
ونفس تعبيرات وشه اللي كنت بحفظها من غير ما أحس.
من عشر سنين بالظبط، أبوهم رمى عليّا الفلوس وأنا واقفة تحت المطر، وقاللي باحتقار
خدي الفلوس دي، وغوري من حياتي يا مريم!
عمري ما نسيت نبرة صوته وهو بيكمل
ومش عايز أشوف وشك تاني، فاهمة؟ إنتِ بالنسبالي صفحة واتقفلت!
وقتها، كان لسه ميعرفش إني حامل في توأم.
بعد الطلاق، عشت شهور الحمل لوحدي في شقة صغيرة على قدّي.
كنت بصحى من النوم وأنا برجع من كتر التعب، ومفيش حد يجيبلي حتى كوباية مية.
لما كنت بروح الطوارئ، كنت بروح لوحدي.
ولما التوأم اتولدوا، كنت بشيل واحد على دراعي والتاني على دراعي التاني، وأجري بيهم في ممرات المستشفى وأنا مرعوبة يحصلهم حاجة، ومفيش حد جنبي يطمني أو حتى يقولي متخافيش، هيبقوا كويسين.
عدّت عليّا ليالي كنت بعيط فيها من التعب، وأيام مكنش معايا فيها غير تمن الحاجات الأساسية، ومع ذلك كنت بحاول أوفّر لولادي كل اللي أقدر عليه.
بس أنا عديت كل ده.
وقفت على رجلي، واشتغلت، وكافحت، وربّيت ولادي لحد ما بقوا عندهم عشر سنين.
وفي الآخر، أبوهم طلع على التلفزيون، ومَحا وجودهم من حياته بكلمتين!
مسكت موبايلي، وفتحت المحادثة مع المحامية بتاعتي، نادين.
كتبتلها
يا نادين، خلاص… هننفّذ اللي اتفقنا عليه.
ردّت عليّا في نفس اللحظة
دعوات الحفل جاهزة. أوراق إثبات النسب جاهزة. وملف الأدلة كامل. حتى الصحفيين اللي اتكلمنا معاهم جاهزين. حمد لله على السلامة يا مريم… أخيرًا رجعتي!
تاني يوم بعد الضهر، قابلت نادين في كافيه هادي، وبدأت تطلع ورقة ورا ورقة من الملف اللي معاها.
قالتلي
الحفل السنوي الكبير بتاع مجموعة عبدالسلام يوم السبت. ياسين هيطلع يلقي كلمته الساعة تمانية ونص بالليل.
وبعدين حطت صباعها على جدول الحفل وقالت
إحنا هندخل الساعة تمانية وخمسة وأربعين بالظبط.
هزّيت راسي بالموافقة.
لكن قبل ما أقوم، زقّت ناحيتي ملف تاني.
فتحته، ولقيت فيه أوراق قديمة تخص اتفاق الطلاق اللي حماتي وقتها ضغطت عليّا عشان أمضي عليه، ومعاها حسابات دقيقة لكل حقوق ولادي اللي اتحرموا منها طول عشر سنين.
الرقم اللي كان مكتوب في آخر الملف كان كفيل يخليني أعيش أنا وولادي من غير ما نحتاج لحد طول عمرنا.
نادين بصتلي وقالت
المبلغ ده مش قليل يا مريم، ودي حقوق لازم ترجعلهم. لو هنمشي في الإجراءات القانونية، لازم تبقي مستعدة لكل اللي هيحصل.
قفلت الملف بهدوء.
أنا مش داخلة أدوّر على الفلوس يا نادين.
بصتلي باستغراب وسألتني
أمال عايزة إيه؟
رفعت عيني ليها وقلت
عايزة ياسين يبص في وش عياله.
سكتّ لحظة، وبعدين كملت
وبعدها عايزاه يشرح قدام الناس كلها إزاي واحد عنده ابن وبنت عندهم عشر سنين، قدر يقنع الدنيا كلها إنه عمره ما خلّف!
نادين فضلت باصة ليّا شوية، وبعدها قفلت الملف وقالت
خلاص يا مريم… يبقى نخلي الحقيقة هي اللي تتكلم.
في الليلة دي، رجعت البيت وقعدت التوأم قدامي.
كنت عارفة إنهم كبروا بما يكفي إنهم يفهموا الحقيقة، حتى لو كانت الحقيقة دي هتوجعهم.
حكيتلهم عن أبوهم، وعن اللي حصل بيني وبينه، وعن السنين اللي عدّت من غير ما يسأل عنهم أو يعرف حتى إنهم موجودين.
وكنت واضحة معاهم في أهم نقطة
إنتوا مش وسيلة أنتقم بيها من حد، ولا مطلوب منكم تثبتوا لأي إنسان إنه غلطان. لو مش عايزين تروحوا الحفل، مش هنروح. قراركم مهم عندي، ومش هضغط على حد فيكم.
آدم عدّل نضارته، وسكت ثواني كأنه بيراجع المعلومات اللي سمعها، وبعدين قال بمنتهى الجدية
يعني من الناحية البيولوجية، هو أبويا… إنما من الناحية العاطفية، فهو تقريبًا متبرع بالحيوانات المنوية وخلاص؟
بصيتله بصدمة.
آدم!
رفع كتفه وقال بكل برود
إيه؟ أنا بس بحاول أوصف الوضع بدقة علمية!
ليلى انفجرت من الضحك، لدرجة إنها وقعت على الكنبة وهي مش قادرة تتكلم.
لكن آدم فجأة بطل هزار، وبصلي في عيني وقال
أنا موافق أروح.
سألته
متأكد يا حبيبي؟
هز راسه وقال
أيوه. بس عندي شرط.
شرط إيه يا سيدي؟
قال بمنتهى الثقة
عايز عشرة في المية من أي فلوس هنرجّعها من حقوقنا.
فتحت عيني على آخرها.
عشرة في المية؟! وإنت هتعمل بيهم إيه إن شاء الله؟
رد من غير ما يتردد
رأس مال لمشروع هفتحه لما أكبر.
فضلت باصة له وأنا مش مصدقة.
عشر سنين من غير ما يشوف ياسين، ومع ذلك الولد ورث منه عقلية البيزنس والمفاوضات!
ليلى قامت من مكانها فجأة وقالت بحماس
وأنا كمان جاية!
وبعدين جريت على أوضتها ورجعت وهي شايلة فستانها الأزرق اللامع، ورفعته قدامي بفخر.
هلبس ده! عايزاه يشوف بنفسه البنت اللي عمره ما عرف إنها موجودة، واللي ضيّع عشر سنين من عمرها من غير ما يعرف عنها حاجة!
الكلام ده خلاني أسكت.
مدّيت إيدي وشديتهم ، واحد من الناحية دي والتانية من الناحية دي.
من عشر سنين، ياسين رماني برّه حياته وهو فاكر إني ست غلبانة، معنديش حاجة أقدر أواجهه بيها.
كان فاكر إن شوية فلوس يرمِيهم في وشي كفاية عشان يشتري راحته، ويمسحني من ذاكرته للأبد.
مكانش يعرف إنه ساب وراه حكاية كاملة، وإن الحكاية دي كبرت قدامه من غير ما ياخد باله.
ويوم السبت، وأنا داخلة القاعة اللي هيتعمل فيها أهم حفل في السنة بالنسبة لشركته، مش هكون لوحدي.
هكون داخلة ومعايا أغلى حاجتين في حياتي.
ابنه وبنته.
وفي تمام الساعة تمانية وخمسة وأربعين دقيقة، بينما ياسين عبدالسلام واقف تحت أضواء القاعة الفخمة، وسط رجال الأعمال وكبار الشخصيات والصحفيين، وبيحاول يحافظ على الصورة المثالية اللي بناها لنفسه على مدار عشر سنين…
أبواب القاعة هتتفتح.
وهظهر أنا، مريم عبدالسلام، واقفة بين آدم وليلى.
الولد والبنت اللي شبهه