زوجى و زوجته١
– متشكرنيش يا حبيبي، أنا عملت اللي شوفته صح، وربنا يباركلك في ولادك ويخليهم ليك.
لكنه أصر على أن يعدني بأنه لن يسمح لأي شيء بأن يغير معاملته لي، وأنني سأظل زوجته التي أحبها، مهما كبر أبناؤه ومهما تغيرت مسؤولياته.
طمأنني كلامه، ولم أكن أبحث عن أكثر من ذلك، فقد كنت أظن أن محبتي له، ووقوفي إلى جواره، ومساعدتي ليسريّة، ستجعل حياتنا أكثر استقرارًا وسعادة.
مرت الأشهر، وجاء موعد ولادة يسريّة، فرزقها الله بفتاة جميلة، أطلق عليها زوجي اسمًا أحبه اسمها خديجه ، وأصبحت فرحته بطفليه لا تسعها الدنيا. لكن هذه المرة لم تكن الأمور سهلة كما حدث في ولادتها الأولى، فقد كانت الصغيرة كثيرة البكاء، لا تكاد تهدأ إلا قليلًا حتى تعود إلى البكاء من جديد، وكانت يسريّة مرهقة من الولادة والسهر، ورزق لا يزال صغيرًا يحتاج إلى الرعاية والاهتمام.
وجدت نفسي من جديد أتحمل معها مسؤولية المنزل والأطفال، فأذهب إليها منذ الصباح، أعد الطعام، وأرتب الشقة، وأحمل الصغيرة حين تبكي، وأحاول تهدئة رزق حين يضيق من انشغال أمه بأخته. كنت أحيانًا أنزل لوالده زوجى فى ساعة متأخرة، وقد أنهكني التعب، لكنني لم أكن أشتكي، فقد اعتدت أن أضع راحة الآخرين قبل راحتي، وكنت أقول لنفسي إن يسريّة تحتاج إليَّ، وإن الأطفال لا ذنب لهم في شيء.
غير أن ما زاد الأمر صعوبة، وألقى على عاتقنا حملًا لم نتوقعه، كان وفاة حماتي.
رحلت المرأة التي طالما اعتبرتها أمًّا لي، والتي احتضنتني منذ زواجي بابنها، ولم تشعرني يومًا بأنني غريبة عن بيتها. كانت تعرف جيدًا أن حرماني من الإنجاب يؤلمني، لكنها لم تسمح لأحد بأن يجرحني بسببه، وكانت دائمًا تؤكد لي أن قيمتي لا تتوقف على كوني أمًّا، وأنني ابنتها قبل أن أكون زوجة ابنها.
في يوم وفاتها، شعرت وكأنني فقدت أمي التي لم تنجبني. جلست بجوارها أبكي بحرقة، وأمسكت بيدها الباردة، أسترجع كل موقف طيب جمعني بها، وكل مرة دافعت فيها عني، وكل كلمة حنونة قالتها لي حين كنت أشعر بالضعف والانكسار.
لم أستطع تصديق أنها لن تناديني مرة أخرى، ولن أسمع صوتها وهي تسألني إن كنت قد تناولت طعامي، أو تطلب مني الجلوس بجوارها لتحدثني عن يومها.
أما زوجي، فقد كان مكسورًا بفقدان أمه، ولم أتركه لحظة واحدة. كنت أواسيه رغم حزني، وأحاول أن أتماسك أمامه، حتى لا يشعر بأنه فقد أمه وزوجته في الوقت نفسه. لكنني حين أختلي بنفسي، كنت أنهار في البكاء، فقد أصبحت أشعر أنني وحيدة، وأن الشخص الذي كان يخفف عني أعباء الحياة قد رحل إلى الأبد.
وبعد انتهاء أيام العزاء، بدأت المسؤوليات تظهر بصورة أثقل من ذي قبل. لم تعد هناك أم تساعدنا، أو تخفف عن يسريّة حين تتعب، أو تتولى بعض شؤون المنزل والأطفال. أصبحت أنا الملجأ الوحيد لها، واليد التي تمتد إليها كلما احتاجت إلى شيء، وفي الوقت نفسه كنت أحاول أن أكون سندًا لزوجي الذي لم يستطع تجاوز حزنه بسهولة.
ومع مرور الأيام، وجدت نفسي أستيقظ متعبة وأنام أكثر تعبًا، حتى إنني لم أعد أجد وقتًا أجلس فيه مع زوجي كما كنت أفعل من قبل. ومع ذلك، لم أتذمر، ولم أطلب منه أن يخفف عني، لأنني كنت أرى أن ما نمر به ابتلاء، وأن علينا أن نتكاتف حتى نتجاوزه.
لكنني لم أكن أدرك أن اعتياد الجميع على عطائي سيجعلهم ينسون أن لي طاقة محدودة، وأن قلبي الذي اعتاد أن يمنح الحب دون انتظار مقابل قد يأتي عليه يوم يحتاج فيه إلى من يربت عليه ويسأله عن حاله.