زوجى و زوجته١

لكنها لم تبتسم، بل ظلت تنظر إليَّ طويلًا، ثم قالت بصوت خافت:
– طب لو هو حبني أكتر منك بعد ما أولد؟ ولو بقى عايز يقضي وقته معايا ومع ابنه، وبدأ يبعد عنك؟
توقفت يدي للحظة، فقد كانت تلك أول مرة تضع أمامي احتمالًا لم أفكر فيه من قبل، لكنني تماسكت وقلت بثقة:
– جوزي مش مجرد راجل أنا اتجوزته وخلاص يا يسريّة، ده عشرة عمر، وأنا اللي اخترتك بنفسي عشان أفرحه، مش عشان أدخل في منافسة معاكي. ولو ربنا رزقه بابن منك، فدي نعمة لينا كلنا، مش سبب يخلينا أعداء وأنا ماعنديش مشكله لو قضى وقت أطول معاكم انا عارفه إنه أكيد هيعمل كده
هزت رأسها، ثم أسندت ظهرها إلى الوسادة وقالت:
– ربنا يخليكي يا أمل، أنا نفسي أفضل على طول قريبة منك.
مرت الأيام، واقترب موعد ولادة يسريّة، وكنت أتابع معها كل صغيرة وكبيرة، حتى إنني كنت أجهز حقيبة الولادة بنفسي، وأتأكد من أن كل ما تحتاج إليه جاهز. أما زوجي، فكان يعيش حالة من الترقب والسعادة، وكلما اقترب موعد الولادة ازداد قلقه عليها، حتى جاء اليوم الذي انتظرناه جميعًا.
في صباح أحد الأيام، اشتد عليها الألم، فأسرعت بالاتصال بزوجي، وذهبنا بها إلى المستشفى. ظل زوجي يتحرك أمام غرفة العمليات بقلق واضح، بينما جلست أنا ووالدته ندعو الله أن يطمئن قلوبنا عليها.
وبعد ساعات من الانتظار، خرج الطبيب ليخبرنا أن الولادة تمت بسلام، وأن يسريّة رزقت بولد سليم معافى.
لم أتمالك دموعي من شدة الفرحة، والتفتُّ إلى زوجي الذي بدا وكأنه لم يصدق الخبر، ثم احتضنته قائلة:
– مبروك يا حبيبي، ربنا رزقك بالولد اللي كنت بتتمناه.
نظر إليَّ بعينين تملؤهما الدموع، وقال:
– الله يبارك فيكي يا أمل، إنتِ أول واحدة لازم تشوفه بعد أمه.
وبالفعل، عندما سمحوا لنا بالدخول، كنت أول من حمل الصغير بين ذراعيَّ بعد والدته، وكم شعرت وقتها بسعادة لا أستطيع وصفها! كان وجهه صغيرًا، وملامحه هادئة، وأصابعه الدقيقة تتحرك في كفي، فقبلت جبينه وأنا أهمس له:
– يا روح قلبي إنت، ربنا يحفظك ويبارك في عمرك، وتكبر وتبقى سند لأبوك وأمك.
وحين دخل زوجي ورآني أحمله، ابتسم ابتسامة واسعة، ثم جلس بجوار يسريّة وقبّل رأسها، وهو يشكرها على أنها منحته هذه النعمة التي طالما تمناها.
أما أنا، فلم أشعر في تلك اللحظة إلا بالفرحة لهما، وكنت أرى أن هذا الطفل أصبح فردًا من عائلتنا جميعًا، وأن من واجبي أن أساعد أمه حتى تستعيد صحتها وتستطيع الاعتناء به.
وبعد عودتنا إلى المنزل، بدأت مرحلة جديدة من حياتنا. كانت يسريّة متعبة من الولادة، ولم تكن تستطيع الحركة بسهولة، كما أن الصغير كان يحتاج إلى رعاية مستمرة، من رضاعة وتغيير ملابس وسهر طوال الليل. كنت أذهب إليها كلما سمعت بكاءه، وأساعدها في تهدئته، وأحمله عنها حين تحتاج إلى الراحة.
ومع مرور الأيام، أصبحت مشغولة بابنها طوال الوقت، وهو أمر طبيعي لم أعاتبها عليه يومًا، بل كنت أقول لها باستمرار:
– يا يسريّة، إنتِ لسه والدة، وجسمك محتاج راحة، والبيبي محتاجك جنبه. عايزاكي تتفرغي له تمامًا، لا تفكري في أكل ولا شرب ولا ترتيب بيت، كل ده أنا هعمله.
نظرت إليَّ بامتنان وقالت:
– بس كده هتتعبي يا أمل، إنتِ كمان ليكي بيتك ومسؤولياتك.
ابتسمت وأنا أرتب ملابس الصغير في خزانته، ثم أجبتها:
– بيتك بيتي، وإنتِ مش غريبة عني، وبعدين أنا مش هرتاح لو شوفتك بتتعبي نفسك وإنتِ لسه والدة. اسمعي كلامي، واهتمي برزق، ولما يكبر شوية وتقدري تقفي على رجلك براحتك، نبقى نشوف موضوع شغل البيت ده.
ومن يومها، توليت بنفسي مسؤولية المنزلين. كنت أستيقظ مبكرًا لأعد الطعام، ثم أصعد إلى شقة يسريّة لأرتب المكان وأغسل الملابس وأجهز كل ما تحتاج إليه حتى لا يشعر زوجى بنقص ، وبعدها أعود إلى منزل حماتي لأكمل بقية أعمالي. وإذا احتاج رزق إلى شيء، تركت كل ما بيدي وذهبت إليه، حتى إنني كنت أحيانًا أحمله لساعات طويلة كي تتمكن أمه من النوم قليلًا.
لم أشعر أنني أقدم تضحية تستحق الشكر، بل كنت أرى أنني أقوم بواجبي تجاه زوجي وابنه، وكنت أفرح كلما رأيت زوجي يعود من عمله فيجد ابنه بخير وزوجته مرتاحة.
وذات مساء، كنت أحمل رزق وأتمشى به في الغرفة حتى ينام، حين دخل زوجي ووقف يتأملني للحظات، ثم اقترب مني وأخذ الصغير بين ذراعيه.
قال بصوت امتزج فيه الحب بالامتنان:
– أمل، أنا عارف إن مهما شكرتك مش هوفيكي حقك. إنتِ مش بس اخترتيلي أم ابني، إنتِ كمان واقفة جنبها وبتراعيها كأنها أختك.
ابتسمت وأنا أنظر إلى رزق بين ذراعيه، وقلت:
– أنا كل اللي يهمني إنك تكون مرتاح ومبسوط، وإن ابنك يكبر وسط ناس بتحبه. وبعدين يا سيدي، هو رزقنا كلنا، مش رزقك إنت ويسريّة بس.
احتضنني زوجي وقبّل رأسي، وأكد لي أن مكانتي في قلبه لن تتغير مهما حدث.

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *