عزاء امى2

نهلة مراته رجعت خطوتين لورا وخبت وشها تحت الشمسية وهي بتبص للراجل العجوز برعب.. وسامح كان واقف مكانه زي الصنم والحديدة اتزحلقت من إيده ووقعت في الطين وعملت صوت مكتوم.. المطر كان بيزيد وصوته على سقف العربية النقل كأنه ضربات قلب حاسمة برن في ودني.. كنت لسه قاعدة في الأرض والطين مغرق رجلي الحافية والشنطة في حضني.. بصيت للراجل العجوز وعينيا كانت بتتحرك بينه وبين سامح.. الرعب اللي في عين سامح خلاني أحس إن الراجل ده معاه مفتاح سر أكبر بكتير من سري.

الراجل قرب خطوة كمان.. الإضاءة الفيروزية من كشافات عربيته الفارهة رسمت ظله طويل جداً على الحيطة المشرخة ورايا.. وطى عليا ومد إيده اللي كانت مليانة تجاعيد بس باين عليها العز والرفاهية.. وقال بنبرة هادية بس تقطع النفس:

قومي يا هناء.. متقعديش في الطين.. مديحة السيوفي مكنتش تسيب بنتها تتبهدل البهدلة دي لو كانت في وعيها.. قومي معايا وماتخافيش من الكلب ده.

سامح فاق من صدمته فجأة وصوته طلع مخنوق ومليان غل:

أنت جاي تاخد الشقى كله على الجاهز يا عامر بيه؟ تلاتين سنة وإحنا بندور ورا الست دي.. تلاتين سنة وأبويا مات بجلطته بسببها وبسبب الفلوس اللي هربت بيها.. ودلوقتي جاي تاخد الدفتر والورق من البت دي؟ مش هسيبك.. الفلوس دي حقي!

عامر بيه مالتفتش لسامح أصلاً.. فضل باصص في عيني وأنا بقوم ببطء ورجلي بتترعش.. سحبني وراه ببرود مرعب وفتحلي باب العربية الوراني.. ركبت وأنا حاسة إني بحلم.. أو في كابوس مش عايز يخلص.. نهلة جريت على سامح وشدته من كم جاكيته وهي بتهسس بصوت واطي:

امشي يا سامح.. الراجل ده لو قلب علينا هيدفننا هنا.. ده عامر الشافعي.. أنت مش قده.. يلا نمشي ونشوف هنعمل إيه بعدين.

العربية جرت بسرعة جنونية والمطر بيمسح الزجاج الأمامي.. بصيت من الشباك لورا.. شوفت سامح واقف في وسط المطر والظلمة بيبص للعربية وهي بتختفي.. ومراته بتجر فيه.. لفيت وشي وبصيت لعامر بيه اللي كان قاعد جنب السواق بكل هدوء.. بيعدل ياقة قميصه الشيك.. وطلع منديل قماش أبيض ونظيف وناولهولي لورا من غير ما يلتفت:

امسحي الطين والدم اللي في رجلك يا بنتي.. مديحة كانت غالية عليا.. رغم كل اللي عملته.

مسكت المنديل وإيدي لسه بتتنفض وقولت بصوت طالع بالعافية:

1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *