امى حبستنى

وعدت السنين لمحة بصر، بين امتحانات صعبة، ومحاضرات طويلة، وسهر وتعب، وبابا واقف في ضهري زي الجبل، بيصحى معايا الفجر يعمل لي القهوة ويدعي لي، ويقولي: “هانت يا دكتورة سارة، هانت يا قلب أبوكي.”

لحد ما جه اليوم الكبير.. يوم التخرج.

القاعة كانت مليانة ناس وزغاريط وأغاني النجاح مسمعة في كل مكان. كنت واقفة بروب التخرج الأسود والقبامعة، وبابا قاعد في الصف الأول، عيونه مليانة دموع فرحة حقيقية، وشه منور فخر وهو شايف بنته الوحيدة واقفة على المسرح وبيتنادى على اسمها: “الطالبة سارة محمود.. الأولى على الدفعة مع مرتبة الشرف.”

أول ما مسكت شهادتي، مروحتش لعميد الكلية ولا للضيوف، أنا نزلت جري من على المسرح وارتميت في حضن بابا قدام الدفعة كلها. بكينا مع بعض كأننا بنغسل كل الوجع والخوف اللي عشناه زمان. بابا رفع راسي بايده وباس جبهتي وقال بصوت عالي والكل بيسقف لنا: “مبروك يا دكتورة.. مبروك يا بنت الأصول، النهاردة أمك روحتها ارتاحت، والكلب اللي كان عايز يكسر عينك، أنتي كسرتي عينه وعين الدنيا كلها بنجاحك وأدبك.”

وفعلاً، عرفت يومها إن ربنا لما بيبتلي البني آدم، بيبقى شايل له تعويض أكبر بكتير مما يتخيل، وإن الضـ,ـربة اللي متمـ,ـوتش.. بتقوي وبتصنع أبطال.

***********

بعد حفلة التخرج بكام يوم، فتحت عيادتي الأولى. بابا صمم يشتري لي المقر في نفس المنطقة اللي اتولدت فيها، عشان يثبت للكل إن سارة اللي حاولوا يكسروها زمان، رجعت لهم دكتورة وليها اسمها ومكانتها، والناس بقت تجيلي من كل حتة.

في يوم وأنا قاعدة في العيادة، دخلت عليا ست غلبانة باين عليها الهم والتعب، وراسمة على وشها ابتسامة مكـ,ـسورة. أول ما شاـ,ـفتني عينيها لمعت بالدموع وقالت بصوت مرـ,ـتعش: “ألف مبروك يا دكتورة سارة.. المنطقة كلها بتتحاكى بأدبك وشطارتك.”

بصيت في وشها ودققت، وملامحها مكنتش غريبة عليا.. دي كانت أخت عنايات الصغيره، خالة سيد. قلبي انـ,ـقبض ثانية، بس افتكرت إني خلاص بقيت في حتة تانية ومفيش حاجة تقدر تهـ,ـزني. رحبت بيها وقعدتها وسألتها عن حالها، لقيتها بتنهد وبتقول بكسـ,ـرة: “أنا جاية أبارك لك يا بنتي، وأقولك إن ربنا حقاني. عنايات وابنها بيخلصوا ذنبك في السـ,ـجن، سيد اتخـ,ـانق جوه مع مسـ,ـاجين وخرج بعاهة مستديمة في رجله، وعـ,ـنايات ضغطها علي وجالها شلل ومبقتش تقوى تتحرك، والكل اتخلى عنهم ومحدش بيزورهم.. سبحان المعز المذل يا بنتي، هم في حتة وأنتي في حتة تانية خالص.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *