ابنتى
أما مازن فتم القبض عليه بناءً على البلاغ اللي قدمناه، والتحقيقات كانت جارية، واتضح إن الدكتور اللي ساعده كان متورط في قضايا تانية كتير، وإن الاتفاق بينهم كان مدفوع بمبالغ ضخمة ووعود بأكثر من ذلك. الحقائق كلها اتكشفت، وما بقتش هناك أي خدعة أو سر.
حماتي كانت في حالة صدمة وندم لا توصف، كانت تعاني من مرض شديد بسبب ما حدث، وكانت تزور سليم كل فترة، تبكي وتعتذر منه، وتقول له سامحني يا ابني.. أنا ربيت مازن وما قدرش يطلع مني الطيب.. سامحني لأنه أخوك. سليم كان يسامحها ويعطف عليها، لكنه قال لها بوضوح أنا سامحكِ يا أمي، بس مازن عمل حاجة ما يتسامحش فيها.. هو اختار طريقه بنفسه، ولازم يتحمل نتيجة اختياره.
وبعد فترة، صدر الحكم النهائي في القضية، وحكم على مازن بالسجن لمدة طويلة بتهمة محاولة القتل والتحايل وتزوير شهادات طبية، والدكتور كمان حكم عليه بعقوبة مماثلة، وسحب رخصته الطبية للأبد. العدالة تحققت، وكل واحد أخذ جزاءه، وإن كان الألم اللي سببوه لنا مش هينتهي بسهولة.
الجزء الخامس
بعد مرور سنة كاملة، كانت حياتنا رجعت لطبيعتها، بل وأحسن من قبل. سليم استرد عافيته بالكامل، ورجع يدير شركته بنشاط وحماس، لكنه غير كتير من القواعد، وأصبح أكثر حذراً ودراية بمن حوله. قرر أن يفصل الجانب الشخصي عن الجانب العملي، وعين مديراً مستقلاً للشركة، وابتعد عن أي تعاملات مشبوهة أو أشخاص لا يثق بهم.
علاقتنا ببعض أصبحت أقوى وأعمق، لأننا كنا عرفنا إننا ممكن نفقد بعض في أي لحظة، وإن الحب والأمانة هما أغلى ما نملك. وفريدة
كانت كبرت شوية، وبقت أكثر ذكاءً وحرصاً، وسليم كان بيقول لي دائماً دي ملاك جات لنا من السماء تنقذني.. لولاها كان زماني في عذاب القبر وأنا لسه حي.
كنا نزور حماتي كل أسبوع، وكانت حالتها تتحسن شوية بشوية، وكانت تعيش في بيت صغير اشتراه لها سليم، وخدمتها بكل رحمة وعطف، لأنها أمّه مهما كانت أخطاء غيرها. كانت دائماً تدعو لنا بالخير والبركة، وتقول لفريدة أنتِ الطفلة اللي رديت لي روحي.. ربنا يخليكِ لينا يا حبيبتي.
مازن كان بينتظر نتيجة استئناف الحكم، وكلمنا مرة واحدة، طلب منا السماح والدعاء، وقال إنه عرف قيمة الأخوة والمال الحلال، وإن الحياة في السجن أهون من الحياة مع الذنب والندم. سليم سامحه من قلبه، لأن السماح من شيم الكرام، لكنه قال له السماح شيء والعودة لما كنت عليه شيء تاني.. الباب اتقفل يا مازن، واللي اتكسر مش بيتصلح.
كمان قررنا نبدأ مشروعاً خيرياً يحمل اسم فريدة، لرعاية الأطفال الموهوبين ودعمهم، عشان نعطي للناس جزء من الخير اللي رزقنا إياه ربنا، وعشان نعلم فريدة إن الخير هو اللي يدوم، وإن مساعدة الغير هي أسمى غاية في الحياة.
الحياة علمتنا دروساً كتير في تلك الفترة، علمتنا إن الأمانة تيجي في أول الطريق وآخره، وإن الغدر ما يدوم وإن كان طويلاً، وإن الحق لابد أن يظهر مهما طال الزمن وكثرت الأكاذيب. علمتنا إن الأبناء ممكن يكونوا سبب إنقاذ لآبائهم، وإن قلوبهم الطاهرة بتشوف ما لا تشوفه العيون. وعلمتنا إن الثقة بالله هي أعظم سلاح، وإن ربنا ما يخذل من يثق به ويتوكل عليه.