خطيبة أبنى عزمتنى على الغداء ٢

وسأله بحدة الحاجة دي كانت فين يا أحمد؟ وإنت وصلتلها إزاي؟ إبراهيم الهربان ده فين؟!
أحمد اتكلم بمنتهى الصدق والأمانة، محورش ولا كدب، حكى القصة من طقطق لسلامو عليكم، من أول يوم خطوبة لحد اللحظة اللي ندى وقعت فيها مغمى عليها في عربيته. حكى عن خوف الستات، وعن تهديد الأب ليهم، وعن محاولة توريطه، بس أكد على حاجة واحدة يا باشمهندس طارق، البنت وأمها ضحايا راجل مبيخافش ربنا، هما مالهومش ذنب في سرقة ولا نصب. هما كانوا مرعوبين من الناس اللي بتهددهم، والبنت لما لقت نفسها هتورطني، ضميرها صحي ووقعت من طولها ومقدرتش تأذيني. حاجتك عندك كاملة مليم مليم، وأنا اللي جايبهالك برجلي عشان دي أمانة، وميرضينيش أكل عيشي يبقى فيه شائبة واحدة. بس أترجاك.. اكفيهم شر الناس اللي بتبعتوهم يكسروا الباب عليهم، كفاية اللي هما فيه.
الراجل فضل باصص لأحمد دقيقة كاملة من غير ما ينطق، عينه كانت بتدرس ملامح ابني. وبعدين اتنهد وقفل الشنطة وقال قليلين أوي اللي زيك اليومين دول يا أحمد.. راجل شهم وأمين، وكان ممكن تاخد الحاجة دي وتساوم بيها أو ترميها وتبعد عن الحوار كله. حقك عليا، والناس اللي كانوا بيدوروا دول مكنوش بلطجية بالمعنى، دول محامين ورجالة حراسة بتوعي كانوا بيطالبوا بحقي من النصاب ده، ومن اللحظة دي محدش هيقرب من بيت مراته ولا بنته. أما إبراهيم، فالقانون كفيل بيه ومسيره يقع.
خرجنا من الشركة وأنا حاسة بفخر الدنيا كله في قلبي، حطيت إيدي على كتف أحمد وقولتله رفعت راسي يا ابني، ربنا يبارك في عمرك ويحميك من كل شر.
أحمد ابتسم بمرارة، وهز راسه وقال الحمد لله يا أمي.. بس لسه في خطوة أخيرة لازم تخلص النهاردة.
رجعنا المستشفى، كانت ندى استردت شوية من عافيتها، وقاعدة على السرير وأمها جنبها مستنيين مصيرهم. أحمد دخل الأوضة، وقف قدام ندى، وطلع علبة الشبكة من جيبه.. العلبة اللي كانت ندى سايباها مع هدومها، وحطها على الكومودينو بهدوء.
ندى بصت للعلبة والدموع اتجمدت في عينيها. أحمد اتكلم بنبرة هادية بس قاطعة مفيهاش رجعة ندى.. حاجتك وأبوكي خلاص في أمان، الباشمهندس طارق استلم أمانته ووعد إن محدش هيتعرضلكم تاني، والبوليس هيتصرف مع أبوكي بالقانون. وأنا عملت ده عشان أصلي وتربيتي، ومكنش ينفع أشوف ستات في ورطة وممدش إيدي.
أم ندى قامت بكت وقالت ربنا يسترك يا ابني دنيا وآخرة ويجعلها في ميزان حسناتك!
أحمد كمل وبص لندى مباشرة بس الجواز ده مش هيكمل. أنا أقدر أسامح في الفقر، أقدر أسامح في كركبة بيت ولا قلة حيلة، بس مقدرش أعيش مع إنسانة فكرت للحظة واحدة إنها تضحي بيا عشان تنجي نفسها. مقدرش أدخل بيت الأمان فيه مش مضمون، والسر فيه بيستخبى تحت الحوض وفوق السطوح. إنتِ بنت حلال وربنا يقف معاكي ويصلح حالك، بس طريقي وطريقك خلاص اتقطعوا هنا.
ندى وطت راسها في الأرض، ومردتش بحرف، كانت عارفة إن ده العدل، وإن اللي اتكسر بينها وبين أحمد ميتصلحش بأي اعتذار. مسكت الملاية بايديها الاتنين ودموعها بتنزل في صمت تام، صمت الندم اللي جه بعد فوات الأوان.
خرجنا من المستشفى، الشمس كانت بتميل للغروب، والسما لونها برتقالي هادي فوق بحر إسكندرية. أحمد مسك إيدي وإحنا ماشيين على الكورنيش، وبصلي وابتسم بتعب وقال زعلانة مني يا ماما عشان فسخت الخطوبة؟
ابتسمت وطبطبت على كتفه بكل حنان الدنيا وقولتله ازعل منك؟! ده أنا النهاردة بس اتأكدت إني ربيت راجل بجد. راجل عارف الأصول وبيقف مع الضعيف، بس في نفس الوقت عينه مفتحة ومبيسمحش لحد يركبه ولا يضيعه. البيت اللي يدخله النصب وتتوارى فيه الأسرار مبيتبنيش عليه عمار يا ابني. والقرش الحلال والراحة النفسية هما الأساس. بكرة ربنا يعوضك باللي تصونك وتستاهل قلبك ونضافتك، وتكون بنية أصول بجد بيتها مفتوح على البياض من أول عتبته لحد آخر ركن فيه.
ركبنا العربية ورجعنا بيتنا الهادي البسيط، البيت اللي مفيش فيه دهب مسروق ولا ورق مزور، بس فيه رضا وأمان وراحة بال تسوى كنوز الأرض كلها.

الصفحة السابقة 1 2 3

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *