طـ.ـمع تحت سقف بيتى١
اتعصب ونفض إيده في الهوا: “هنقعد ونشوف مين كلمته هتمشي في البيت ده يا ياسمين!”
خرج ورزع الباب. الليلة دي منمتش.. كنت قاعدة في الضلمة، بصة للسقف، وكل ثانية بتعدي كانت بتقربني من اللحظة الحاسمة. كنت حاسة إن الانفجار قرب، وإن غبائهم وجشعهم هيوديهم للنهاية اللي يستحقوها.
والمصادفة جت أسرع مما كنت أتخيل.. تاني يوم الصبح، إسلام نزل بدري ورايح مشوار في إدارة المرور عشان يخلص ورق التريلا. أنا عملت نفسي نازلة الشغل، ولبست ونزلت فعلاً، وقفت تحت العمارة في مدخل بيت جارتنا أم أحمد في وش البيت، وفتحت الموبايل أراقب الكاميرات لايف.
الساعة تسعة الصبح بالظبط. لقيت حماتي نادية طالعة الدور التاني على السلم الداخلي للشقة، ووراها نسمة وإبراهيم. كانوا واقفين قدام باب الأوضة الكبيرة المقفولة. نادية ماسكة في إيدها أجنة وشاكوش!
“اكسر يا إبراهيم الكالون ده! البيت ده بتاعنا والبت دي لازم تعرف حجمها، لما تيجي من الشغل وتلاقي العفش بتاعك جوة والأوضة بتاعتك خلاص، مش هتعرف تفتح بؤها ولا تنطق بنص كلمة!”
إبراهيم: “يا أمي استني لما إسلام ييجي هو اللي يتصرف معاها.”
نادية زعقت فيه: “إسلام بيخاف من خياله، اكسر بقولك! خلي مراتك تدخل ترتاح في السرير الكبير، دي حامل في ولي العهد، اكسر وما تخافش، البيت ده بيت ابني والرجالة هي اللي تحكم!”
إبراهيم مسك الشاكوش، وبدأ يضرب على الكالون بكل غل وقوة.. ضربة ورا ضربة.. صوت التكسير كان طالع في السماعة نقي وواضح، والكاميرا بتصور وشه وهو بيكسر، ووش نسمة وهي بتضحك بشماتة ومستنية تدخل، ووش نادية وهي بتهلل وتشجع فيه: “عاش يا واد! اكسر كبريائها واكسر مناخيرها في الأرض، عشان تعرف مين أسياد البيت ده!”
في اللحظة دي، ضرب الكالون طار، والباب اتفتح على مصراعيه! نسمة دخلت تجري ورمت نفسها على السرير الكبير بالروب بتاعها وضحكت بصوت عالي: “الله! الأوضة دي ملكي من النهاردة، مش هطلع منها أبداً!”
قفلت الموبايل وإيدي بتترعش من الثبات الانفعالي. اتصلت بالأستاذ رفعت: “أستاذ رفعت.. اللحظة جت، كسروا الكالون واقتحموا الأوضة بالقوة وكل حاجة متسجلة لايف صوت وصورة.”
رد عليا بصوت حاسم: “اطلعي على قسم شبرا فوراً واعملي محضر كسر واقتحام وسرقة مسكن، وأنا هقابلك قدام القسم بالتوكيلات وعقود الملكية، وهنطلع بقوة من القسم نطب عليهم متلبسين!”
طلعت على القسم زي الصاروخ. الغضب اتقلب لقوة وطاقة عمري ما حسيت بيها في حياتي. عملت البلاغ، والأستاذ رفعت جاب كل الأوراق الرسمية اللي تثبت إن الشقة ملكي الخالص، وفيديوهات الكاميرا كانت كافية تخلي رئيس المباحث يدي أمر فوري بنزول أمين شرطة وقوة معاينة عشان يثبتوا حالة التلبس والكسر.
في نفس الوقت، اتصلت بإسلام وقولتله بصوت هادي ومصطنع الرعب: “إسلام.. الحقني، أنا رجعت البيت نسيت ورق مهم، ولقيت باب الأوضة مكسور والبيت مقلوب، تعالى بسرعة لأن البيت بيتسرق!”
طبعاً إسلام اتخض وجه يجري، وهو فاكر إنه هييجي يلاقيني بنهار قدام أمه وأخوه ويفرض سيطرته عليا.
وصلت قدام باب العمارة.. عربيات البوكس وقفت على أول الشارع، ونزل أمين الشرطة ومعاه اتنين عساكر وطلعوا ورايا على السلالم في هدوء تام. وقفت قدام باب الشقة.. وحطيت المفتاح في الباب، وفتحته على آخره.
المشهد جوة كان قمة في الفوضى والعنجهية.. الشنط والكراتين بتاعة إبراهيم ونسمة اتنقلت كلها جوة الأوضة الكبيرة، وحماتي نادية كانت قاعدة على كرسي الصالون في وش الباب، رافعة راسها للسما وبتشرب شاي، وإسلام كان لسه واصل وواقف جمب أمه بيضحك، وبيقولها: “يعني مكنش لزوم الاستعجال ده يا أمي، بس يالا، أهو أمر واقع ولازم ياسمين ترضى بيه!”
وفجأة.. دخلت أنا. ومن ورايا دخل الأستاذ رفعت المحامي، وأمين الشرطة بالبدلة الميري واتنين عساكر شايلين بنادقهم.
السكوت نزل على الصالة زي الصاعقة. كوباية الشاي وقعت من إيد نادية اتكسرت على الأرض والشاي السخن طرطش على رجليها: “ي.. يا مري! إيه ده؟! بوليس في بيتي؟!”
إسلام اتصدم، وشه بقى أبيض زي اللوح التلج، وجري عليا يزعق: “ياسمين! إيه اللي أنتِ عاملاه ده؟! جايبة الحكومة في بيتي عشان نمرة عائلية؟! اتجننتي؟!”
أمين الشرطة زقه في صدره بكل حزم: “ارجع ورا يا جدع أنت ومسمعش صوتك! فين صاحبة الشقة؟”
أنا وقفت قدامهم، ثابتة كأني جبل، شاورت على الأوضة اللي كالونها مكسور ومرمي على الأرض: “أنا صاحبة الشقة يا باشا، ودي عقود الملكية المسجلة، والناس دول كسروا الكالون واقتحموا الأوضة وسرقوا حاجتي واستولوا على الشقة بالقوة الجبرية، والكسر باين قدامك اهو في الحلق والباب!”
نادية قامت تصوت وتلطم على وشها وتعمل دراما: “يا لهوي يا فضيحتي في المنطقة! البت دي اتبلت علينا يا حضرة الظابط! ده بيت ابني! وإحنا عيلته وبنقعد معاه، ومرات ابنه التاني حامل وتعبانة وملهاش مأوى، عايزة ترمينا في الشارع يا ظالمة؟!”
نسمة خرجت من الأوضة بتترعش، وحاطة إيدها على بطنها وتبكي بدموع تماسيح: “حرام عليكي يا ياسمين، أنا في الشهر الرابع وحامل والواد هيسقط من الخضة، اتقي ربنا فينا!”
إبراهيم وقف يتلعثم: “يا باشا دي خلافات أسرية والله، مفيش كسر ولا حاجة، الكالون كان مفوت بس وإحنا صلحناه!”
الأستاذ رفعت طلع صوته الجهوري ووقف قدام أمين الشرطة: “مفيش خلافات أسرية هنا يا فندم، دي جريمة اقتحام مسكن وإتلاف ممتلكات ثابتة، وده كشف حساب بنكي يثبت استيلاء الزوج وأخوه على مبالغ تتجاوز 40 ألف جنيه من حساب موكلتي دون وجه حق وخيانة أمانة!”
إسلام عينيه وسعت من الرعب، وبصلي بذهول وهو بيهمس: “ياسمين.. أنتِ بتعملي إيه؟ ده أنا جوزك!”
بصيتله باحتقار عمري ما بصيته لبني آدم قبل كده، وقولتله بصوت هادي ومسموع للكل: “جوزي ده كان زمان.. لما كنت فاكراك راجل بيصون عرضه وماله، مش حرامي بيسرق شقايا عشان يسلّك لأخوه ويديه يشتري عربية!”
نادية صرخت: “اخرسي يا قليلة الأصل! عربية إيه وفلوس إيه؟! ده إبراهيم كحيان ومعهوش مليم، والفلوس اللي جابها كانت عشان دكاترة نسمة وعشان الولد اللي في بطنها!”
ابتسمت.. الابتسامة دي كانت الرد اللي هما مش متوقعينه. مديت إيدي في شنطتي، وطلعت الفلاشة، ووصلتها بشاشة التلفزيون الكبيرة اللي في الصالة، وبضغطة واحدة من الريموت، اشتغلت الشاشة بأعلى صوت.
وصوت نسمة ملأ البيت كله: “… وبعدين الحزام ده خانقني أوي، كتمة على الفاضي في الحر ده، هو إحنا هنفضل رابطين المخدة والسيليكون ده كتير؟ أنا زهقت وعايزة أتنفس!…”
وصوت نادية بيرد بكل وضوح: “… اصبري يا مقصوفة الرقبة! الصبر حلو.. إحنا لو مكنش الحوار ده اتعمل، مكانش إسلام عرف يضغط عليها عشان يدخلكم الشقة… دي شقة تمنها يعدي مليونين جنيه…”
وصوت إبراهيم وهو بياخد نفس السيجارة: “… الواد إسلام ده طيب وغلبان، كل ما أقوله نسمة محتاجة مصاريف عيل، يجري يسحب من حسابها ويديني ويقولي متشلش هم يا أخويا!…”
الصدمة في الصالة كانت مرعبة.. إسلام وشه اتشل، عينيه كانت طالعة لبرة كأن روحه بتتسحب منه، بيبص للشاشة ومش قادر يصدق ودانه ولا عينيه.. بيبص لأمه، ويبص لأخوه، ويبص لنسمة اللي وشها بقى أصفر زي الموتى ووقفت مصلوبة في مكانها ومش قادرة تبتلع ريقها.
نادية قعدت على أقرب كرسي ورجلها مش شيلالها، وفمها اتفتح ومش طالع منه ولا حرف، كأن لسانها اتقطع.
قربت من نسمة بخطوات بطيئة وواثقة.. الكل كان ساكت، حتى أمين الشرطة والعساكر كانوا بيبصوا بذهول على المسرحية اللي بتتكشف قدامهم صوت وصورة.
وقفت قدام نسمة مباشرة، وقولت بصوت هادي وقاطع: “بتقولي حامل في الرابع يا نسمة؟ والواد هيسقط من الخضة؟ طب كفاية تمثيل لحد كده، طلعي اللي حطاه تحت الهدوم عشان الحقيقة تبان قدام الحكومة.”
نسمة ارتبكت تماماً، وبدأت تتراجع لورا وهي بترتجف ودموعها نزلت بجد مش تمثيل. وفي لحظة ذعر، ومع حركة ارتباكها الشديدة وهي بتدافع عن نفسها، سقط حزام السيليكون والبطن المزيفة من تحت العباية على الأرض قدام عينين أمين الشرطة وإسلام والكل!
وقعت البطن المزيفة على البلاط بصوت مكتوم، وفضل حزام السيليكون متعلق بوسطها وهي منهارة من الفضيحة.
إسلام صرخ صرخة هستيرية ووقع على ركبتيه في الأرض وهو حاطط إيده على راسه: “كدب!.. إنتو ضحكتوا عليا؟! كنتوا بتلعبوا بيا وبمراتي وسرقتوني عشان كدبة؟!”
أمين الشرطة بص للبطن المزيفة اللي على الأرض، وبعدين بص لعساكره وقال بصوت صارم: “لمّ الحرز ده يا أمين.. والكل قدامي على القسم، اقتحام مسكن، نصب، وتزوير حمل وهمي، وسرقة أموال! قدامي يلا!”
الكل اتسحب لبرة الشقة في حراسة البوليس، نادية كانت بتدحرج على السلالم وهي مش قادرة ترفع راسها من الفضيحة، وإبراهيم مبلوع لسانه، ونسمة ماشية وهي منهارة، وإسلام خرج مكسور ومنتهي، بعد ما خسر بيته وكرامته وكل حاجة بسبب طمع عيلته.
وقفت في نص الصالة الواسعة، بصيت للحيطان ولعفشي وللبيت اللي رجعلي طاهر ونضيف من كل النفاق ده، حسيت إن روحي رجعتلي، وإن الحق مهما طال الزمن، بياخد مجراه وينصر صاحبه.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”