طـ.ـمع تحت سقف بيتى١
بصلي كأنه مكنش سامعني: “يمشوا يروحوا فين يا ياسمين؟ أنتِ مش شايفة نسمة في الشهر الرابع وتعبانة إزاي؟ والواد لسه ملقاش شغلانة كويسة، هرمي أخويا في الشارع عشان ترتاحي؟”
“ده بيتي يا إسلام! ده حقي، إحنا اتفقنا على أسبوع، وأنا مش حمل مصاريف ولا حمل خدمة أربعة كبار في البيت غير شغلي.. الشقة مش هتساعنا كلنا.”
حماتي كانت بتتصنت، دخلت علينا الأوضة من غير ما تخبط، وشها مشتعل نار: “الشقة واسعة وتاخد بدل الراجل عشرة! وإذا كان على الخدمة يا ست هانم إحنا مش عايزين منك لقمة، أنا هطبخ لولادي! لكن أخو جوزك مش هيخرج من هنا غير لما يستقر، والبيت ده بيت ابني طالما هو راجلك وعايش فيه، وكلمة الراجل هي اللي تمشي، وإلا بقى وريني هتعملي إيه!”
إسلام وقف في ضهر أمه، ومسك دراعي بضغط خفيف بس فيه تهديد: “ياسمين.. أمي خط أحمر، وكلامها اللي هيمشي، إبراهيم مش ماشي، ومسمعش صوتك في الموضوع ده تاني عشان ميبقاش ليكي تصرف مش هيعجبك.. فاهمة؟”
فضلت ساكتة. عيني في عينيه، مش خوف، بس كنت بحفر شكله في دماغي، الراجل اللي ائتمنته على اسمي وعمري وشقايا، بيبيعني عشان يرضي غرور عيلته ويستولى على مالي. هزيت راسي وقولت بهدوء غريب: “تمام يا إسلام.. اللي تشوفه.”
استغربوا من هدوئي المفاجئ، افتكروا إني انكسرت وخضعت، ونادية خرجت من الأوضة وهي بتبتسم ابتسامة النصر وتغمز لابنها.
تاني يوم الصبح، نزلت الشغل عادي جداً. فتحت الأبلكيشن على الموبايل في المكتب، وحطيت السماعات في ودني، وبدأت أراقب.
الساعة كانت 11 الضهر. الصالة كانت فاضية، بعدين ظهرت نادية، لابسة جلابيتها وقاعدة على الكنبة، وبتنادي: “بت يا نسمة! تعالي يا بت اقعدي جمبي.”
نسمة خرجت من الأوضة، والمفاجأة اللي شلت حركتي وخلتني أتنح في الشاشة.. نسمة مكنتش ماشية ببطء، ولا ساندة ضهرها، ولا حاطة إيدها على بطنها زي ما بتعمل قدامي! كانت ماشية بخفة وعادية جداً، وقعدت على الكنبة وحطت رجل على رجل، وطلعت علبة سجاير من جيب روبها وولعت سيجارة وشدت نفس عميق ونفخته في الهوا!
حماتي شهقت بس بضحك: “يا بت اتهدي، افرضي ياسمين دي رنت ولا الباب خبط فجأة؟ بطلي شرب القرف ده لحد ما اللعبة تخلص!”
نسمة ضحكت ضحكة رقيعة ورجعت شعرها لورا: “متقلقيش يا حجة، ياسمين دي في شغلها في العاشر ومش هترجع قبل خمسة المغرب، وبعدين الحزام ده خانقني أوي، كتمة على الفاضي في الحر ده، هو إحنا هنفضل رابطين المخدة والسيليكون ده كتير؟ أنا زهقت وعايزة أتنفس!”
هنا.. الأرض دارت بيا ووقفت. المخدة؟ السيليكون؟ الحزام؟! نسمة مكنتش حامل؟! كل المسكنة، والمشي بالعافية، والدلع، وأكل الحلويات، والشهور الأربعة.. كله كان تمثيلية؟!
نادية ردت عليها بغل وبصوت واطي: “اصبري يا بنتي! الصبر حلو.. إحنا لو مكنش الحوار ده اتعمل، مكانش إسلام عرف يضغط عليها عشان يدخلكم الشقة، ولا كانت هي سكتت أول ما جيتوا! لازم تفضلي عاملي فيها مكسحة وتعبانة لحد ما نتمكن من الشقة دي كويس. دي شقة تمنها يعدي مليونين جنيه في المنطقة دي، وأنا مش هسيب البت دي تتهنى بيها لوحدها وهي ملهاش حد يقف وراها بعد أبوها!”
دخل إبراهيم في الكادر، لابس شورت وتيشيرت، وقعد جمب نسمة، وخد منها السيجارة وشد نفس: “أمي معاها حق يا نسمة، استحملي شوية.. إسلام امبارح ظبطلي الحساب، الفلوس اللي سحبها من كارتها إمبارح والمرات اللي فاتت خلاص دفعت منها مقدمة العربية النص نقل اللي هشتغل عليها، والباقي حطيته في جيبي مصاريف لينا. الواد إسلام ده طيب وغلبان، كل ما أقوله نسمة محتاجة دكاترة وأدوية تثبيت ومصاريف عيل، يجري يسحب من حسابها ويديني ويقولي متشلش هم يا أخويا، وهو أصلاً فاكر نفسه بيعمل خير وبيساعدني!”
نادية ضحكت بانتصار وطبطبت على فخذ إبراهيم: “إسلام ده ابني وعارفة مدخله إزاي، مسكته من إيده اللي بتوجعه.. عقدة الخلفة! قولتله ياسمين مش ربنا كاتب لها تنجب، واحنا لازم نأمن مستقبل إبراهيم وابنه اللي جاي، والبت دي ملهاش غير الكنس والمسح في البيت ده، ولما نزهقها في عيشتها وتطلب الطلاق، البيت ده قانوناً هيبقى فيه حضانة لو كتبنا العيل باسمكم هنا، أو نلوي دراعها وتتنازل عن نصه عشان نخرج ونسيبها في حالها!”
نسمة ضحكت: “بس إسلام مش هيشك لما بطني متبانش وتكبر؟”
نادية: “ما تكبر إزاي ما الحزام السيليكون اللي جيبناه من العتبة بيكبر درجة درجة! والشهرين التلاتة الجايين هقوله حصل نزيف وسقطت، وساعتها نكون حطينا إيدنا على الشقة والواد إبراهيم اشتغل بالعربية ومحدش هيعرف يقلعنا من هنا!”
كنت قاعدة على الكرسي في مكتبي، قلبي كان بيدق بسرعة جنونية لدرجة إني مكنتش قادرة أتنفس. الوجع اللي حسيت بيه في اللحظة دي مكنش وجع خيانة عادية، ده كان وجع غدر مرسوم بالمسطرة والقلم.. إسلام.. جوزي.. بيسرق فلوسي وشقايا ويديه لأخوه يشتري بيه عربية، ومش بس كده، متآمر مع أمه عشان يكسرني بوجعي الأكبر، وجع إني محرومة من الخلفة، ويدخلوا في بيتي واحدة كدابة ولابسة بطن سيليكون عشان يبتزوني عاطفياً ويسرقوا حقي وشقتي!
نزلت دموعي باردة ومحروقة.. بس الدموع دي كانت آخر دموع هتنزل مني في الحكاية دي. الضعف اللي كان فيا اتبخر في ثانية، وحل مكانه غضب بارد، غضب عقلاني بيحسب كل خطوة بالسنتيمتر.
فتحت البرنامج، وعملت حفظ لكل الفيديوهات دي على جوجل درايف، وبعت نسخة منها على إيميل الشغل، ونسخة تالتة على فلاشة صغيرة حطيتها في محفظتي.
قفلت التليفون، وخدت إجازة باقي اليوم، وطلعت على محامي من معارف والدي في بنها، أستاذ رفعت، راجل عجوز وشاطر وشارب القانون صم. قعدت قدامه وكاتبله كل حاجة من طقطق لسلامو عليكم، ووريته عقود الشقة المسجلة باسمي، وكشف حساب البنك، والتسجيلات اللي صورتها الكاميرا صوت وصورة.
الأستاذ رفعت قلع نضارته وبصلي بذهول: “يا ساتر يا رب! إيه النفوس دي يا بنتي؟! دول عصابة مش عيلة! بس اسمعيني كويس، طالما الشقة ملكك خالص بعقد بيع وشرا مشهر وواخداها هبة أو شرا قبل الجواز بمالك الخاص، هو ملوش مليم أحمر فيها، ولا يقدر يحط إيده على طوبة واحدة. وسرقة الفلوس من الحساب عن طريق الفيزا، طالما الكارت بتاعك ومفيش توكيل رسمي منك بالسحب، دي قضية استيلاء وخيانة أمانة توديه هو وأخوه في داهية. بس إحنا مش هنلجأ للمحاكم الأول وندخل في متاهات تأخد سنين.. إحنا هنمسكهم متلبسين، ونخليهم هما اللي يجروا ورا نفسهم.”
“أعمل إيه يا أستاذ رفعت؟ أنا عايزة حقي، وعايزة كرامتي اللي اتهانت تترد قدام عيني وفي نفس المكان اللي اتهانت فيه.”
الأستاذ رفعت ابتسم ابتسامة هادية: “استني لحد ما يغلطوا الغلطة الكبيرة اللي متتصلحش.. هما متفرعنين ومفكرينك صيد سهل، والفرعنة دي هتخليهم يتصرفوا بغباء. أول ما يحاولوا يكسروا حدود البيت رسمياً، كلميني وأنا هكون عندك بقوة القانون، وساعتها مش هيخرجوا غير بفضيحة.”
رجعت البيت في ميعادي الطبيعي، كأن مفيش أي حاجة حصلت. دخلت، ولقيت نسمة رجعت للتمثيلية؛ ممددة وحاطة إيدها على بطنها وبتقول آه يا ضهري، ونادية بتسبح على السبحة وبتدعي للولد اللي في بطنها، وإسلام كان قاعد بيتفرج على التلفزيون.
دخلت المطبخ بهدوء، عملت لنفسي كوباية شاي، ودخلت أوضتي وقفلت عليا. إسلام دخل ورايا بعد شوية، وبصلي بلوم: “مالك يا ياسمين؟ داخلة قالعة وش الخشب ومبتسلميش على حد ليه؟ أمي برة بتشتكي منك وبتقول إنك بتبصي لمرات أخويا بقرف.”
بصيتله في عينيه، ومسكت نفسي بالعافية إني متفش في وشه: “أنا تعبانة من الشغل يا إسلام، وعايزة أنام.”
“تعبانة؟ ماشي، بس اعملي حسابك، إحنا محتاجين نتكلم بكرة في موضوع مهم.. الأوضة الكبيرة اللي فوق دي مينفعش تفضل مقفولة كده متستغلة كراكيب، وإبراهيم ومراته محتاجين يستقروا عشان الولد لما ييجي يلاقي مكان ينام فيه.”
الأوضة الكبيرة اللي بيتكلم عليها دي، كانت الأوضة الرئيسية للشقة، اللي كان والدي مجهزها ومفروشة بأنضف خشب، وكنت قفلاها بالمفتاح وشايلاها للزمن، عشان لما ربنا يكرمني بطفل أفرشهاله. بصيتله وقولت بنبرة حادة وواضحة: “الأوضة دي مش هتتفتح يا إسلام، ومش من حق حد يدخلها، وقولتلك إبراهيم ومراته وجودهم هنا مؤقت وهيخلص قريب.”