الشقة دي واسعة أوي على اتنين، ولازم بكرة تتعودي تفتحي بيتك لعيلة جوزك. حماتي، الحجة نادية، رمت الجملة دي في وشي أول ليلة نامت فيها عندي. وقتها قلت يمكن دي طريقتها السخيفة اللي واخدة عليها، بس بعدها بأسابيع فهمت إنها مكنتش بتبدي رأيها دي كانت بتعلن عن خطتها. أنا ياسمين، عندي 32 سنة، وعايشة في شبرا الخيمة. بشتغل مسؤولة مخزن في شركة قطع غيار سيارات في العاشر من رمضان. وجوزي، إسلام، عنده 35 سنة وسواق تريلات على طريق الصعيد والمواني. الشقة اللي كنا عايشين فيها دي مكنتش على المشاع ولا ملكه، أهلي كتبوهالي بيع وشرا باسمي قبل ما أتجوز. أبويا الله يرحمه كان دايماً يقولي: “أنا مش بديكي الشقة عشان تركبي جوزك ولا تستقوي عليه، أنا بكتبهالك عشان لو الدنيا دارت بيكي متبقيش في الشارع ويبقى ليكي ضهر.” وست سنين جواز، عمري ما عايرت إسلام ولا حسسته إن دي شقتي. الحال اتقلب لما الحجة نادية ضهرها وجعها فجأة. إسلام كان مسافر نقلة لإسكندرية وطلب مني أوديها للدكتور. الكشف مطلعش فيه حاجة خطيرة؛ شوية خشونة مع السن وراحة وأدوية وخلاص. فرشتلها الأوضة اللي تحت في الدور الأول عشان متطلعش سلالم، وقالتلي: “هما تلات أيام بس يا بنتي هريح فيهم.” التلات أيام بقوا أسبوع. وبعدها مبقتش تستأذن، دي بقت تأمر: “هو الأكل لسه مجاش؟ معدتي متستحملش النواشف ولا العشا البارد!” أكون راجعة من العاشر مهدودة بعد عشر ساعات شغل، وأقف أطبخ لها، ولما اشتكيت لإسلام هز كتافه ببرود وقال: “أمي وطبعها كده، متعمليش من الحبة قبة ومتبقيش حساسة زيادة عن اللزوم.” بعد أسبوعين، سمعتها صدفة وهي بتتكلم في الموبايل: “أيوه يا إبراهيم، هات نسمة وتعالوا.. الشقة واسعة وتساع من الحبايب ألف، لموا حاجتكم وتعالوا قوام.” إبراهيم ده أخو إسلام الصغير. ويوم الجمعة، لقيت عربية نص نقل واقفة قدام العمارة محملة لفوق شكاير هدوم، كراتين، بطاطين، تلفزيون قديم، وحتى الميكروويف جايبينه معاهم! نزلت نسمة من العربية براحة، وحاطة إيدها على بطنها وبتقولي بتناكة: “أنا حامل في الرابع.” حماتي عينيها دمعت من الفرحة وزغرطت: “أخيراً هشيل حتة من ريحة الغالي!” المصيبة إن إسلام كان عارف بكل حاجة ومقاليش. اعترفلي بعدها إن صاحب الشقة مشّى إبراهيم عشان الإيجار، وإنهم محتاجين أسبوع زمن لحد ما يلاقي شغل ويسلك نفسه. وافقت ومسكت أعصابي بشرط واضح وصريح: أسبوع واحد بس، وبعدها يشوفوا مطرح يقعدوا فيه. كلهم واوافقة وبسرعة تثير الشك. في نفس الليلة، لقيت نسخة مفاتيح جديدة متعلقة على الميدالية: “المفاتيح دي لإبراهيم”، إسلام قالها عادي: “أصله بينزل يدوّر على شغل وبيرجع متأخر.” عملت نسخة من مفاتيح شقتي من غير ما تاخد رأيي؟! حماتي ردت وهي ممددة على الكنبة: “جرى إيه يا ياسمين! ده أخوه يعني ستر وغطا علينا، مش حرامي من الشارع.” الأيام اللي بعدها الشقة مكنتش شقتي؛ الهدوم مرمية في الحمام، مواعين مكوّمة في الحوض، والأكل بيختفي من التلاجة. إبراهيم يخرج كل يوم الصبح يقول نازل أقدم في شركات، ولما أسأله على اسم شركة واحدة ميعرفش ينطق. ولما طهقت وقلت كل واحد يشيل حاجته وينضف وراه، حماتي قامت دبت فيا: “نسمة حبلى وضهرها بيوجعها، وإبراهيم طافح الكوتة في الشوارع، وأنا عيانة وست كبيرة.. مستخسرة فينا الخدمة؟” وبصتلي من فوق لتحت وقالت: “سم في وشي لو كنتي بتبطلي تبصي لقرشك وشغلك وعربيتك، كان ربنا كرمك واداكِ حتة عيل بدل ما إنتِ مش مقدرة نعمة ربنا.” حسيت بخنجر نزل في صدري. إسلام عارف سنين العذاب، ودكاترة الحقن المجهري، والفلوس اللي راحت والوجع والكسرة اللي عشناها. استنيت جوزي ينطق.. يرد على أمه.. يحفظ كرامتي في حاجة تخص سترنا وبيتنا. بص في الأرض وقال: “خلاص يا ياسمين فوتيها، أمي متقصدش وعفوية.” الليلة دي عرفت إني في بيتي وملكي، بس أنا الوحيدة اللي ملوي دراعها ومطلوب مني أطاطي. بس مكنتش أعرف إن الجشع ده كان أهون بكتير من اللي جاي.. لأن بعدها بكام يوم، جاتلي رسالة سحب 18 ألف جنيه كاش من فيزا الطوارئ اللي كنت مديّاها لإسلام عشان لو التريلا عطلت معاه في السفر. والكذبة اللي رصّهالي عشان يبرر السحبة دي، كانت الخيط اللي ودّاني لمصيبة عمري ما كانت تخطر على عقل بشر. الجزء الثاني رنة الموبايل بالرسالة دي كانت زي طلقة رصاص في سكون الصالة: “تم سحب مبلغ 18000 جنيه مصري من ماكينة ATM….” فضلت باصة للشاشة، عيني متبتة في الأرقام، والدم بيغلي في عروقي غليان. الكارت ده مكنش كارت عادي، ده كان كارت حساب التوفير اللي عملاه باسمي، وكنت سايباه في محفظة إسلام كأمان عشان لو العربية عطلت بيه على طريق الصعيد، لو كاوتش فرقع في نص الليل، لو احتاج يفك زنقة نقلة ومعهوش سيولة. كارت طوارئ لقمة العيش، مش كارت يتسحب منه تمناشر ألف جنيه كاش في لمح البصر كده ومن مكنة في شارع شبرا الرئيسي على بعد خطوات من البيت! دخلت الأوضة عليه، كان قاعد مأنتخ على السرير بالفانلة الحمالات، وماسك تليفونه بيقلب فيه ببرود، والتكييف شغال على أعلى حاجة، وصوت ضحكات أمه وأخوه ومرات أخوه في الصالة جايب لآخر الشارع، كأنهم فاتحين مكان عام مش قاعدين في بيت ناس. رميت التليفون في وشه من غير مقدمات: “إيه السحب ده يا إسلام؟ التمناشر ألف دول راحوا فين وفي نص الليل كده ليه؟” اتخض في الأول، وشه جاب ألوان، بس استرجع بروده بسرعة البرق، وقام قعد وصلب طوله، وبصلي بنظرة كلها استهوان: “جرى إيه يا ياسمين؟ داخلة عليا حامية كده ليه زي القضا المستعجل؟ فتيس العربية كان فيه بوش وبيرزع، والميكانيكي قالي لو مسافرتش بيه مشدود هيكسر التاج والكرونة، روحت سحبت الفلوس وحاسبته واديت للورشة عربون لقطع الغيار، فيها حاجة دي يعني؟ الفلوس رايحة في شغل هي رايحة فسحة؟” بصيت في عينيه.. الست لما بتعاشر راجل ست سنين، بتبقى حافظة رفة رمشه، عارفة نبرة صوته لما بيكون صادق، ولمعة عينيه لما بيبدأ يرص الكدب. النبرة كانت متوترة، وصوته عالي بزيادة عن اللزوم، كأنه بيحاول يقنع نفسه قبل ما يقنعني. “ميكانيكي مين يا إسلام اللي فاتح لحد واحدة بالليل في شبرا بياخد تمناشر ألف كاش؟ وأنت أصلاً النقلة بتاعتك طالعة بكرة العصر مش النهاردة؟” هنا وشه اتقلب، وعروق رقبته نفرت، ونفخ بصوت عالي: “هو تحقيق يا ياسمين؟! هو أنا شغال عندك وبقبض منك باليومية؟ ما تلمي لسانك شوية وبطلي شك وسوسة، الفلوس راحت في مصلحة وخلاص، بكرة النقلة تخلص وأردلك القرشين بتوعك، متبقيش ماسكة في الفلوس كأنها روحك كده، إيه المعاملة دي!” سابني وخرج ورزع الباب وراه، وسمعت حماتي برة بتقوله بصوت واطي بس مسموع: “مالها الست دي بتزعق ليه؟ حسها عالي عليك في بيتك يا إسلام؟ إيه الرجالة اللي طرية دي!” دموعي نزلت في اللحظة دي مش من القهرة على الفلوس، بس من الإحساس بالاستباحة.. البيت مابقاش بيتي، ومالي مابقاش مالي، وكرامتي بتتداس كل يوم. قعدت على طرف السرير ألملم شتات نفسي. أبويا الله يرحمه كان تاجر بيقرا الناس من نظرة، وكان دايماً يقولي: “يا ياسمين، اللي يكدب في قرش يكدب في عرض، واللي يستبيح مالك النهاردة يستبيح كرامتك بكرة.. متبقيش غبية ومتمشيش ورا الكلام، امشي ورا الورق والأرقام.” كلام أبويا رن في ودني زي الجرس. مسحت دموعي بإيدي، وقمت من على السرير. الغضب العميق مش هيجبلي حقي، اللي هيجيب حقي هو الهدوء والتربيط على مية بيضا. تاني يوم الصبح، إسلام نزل بدري بحجة إنه رايح الورشة يشوف العربية قبل السفر. أنا نزلت وراه على طول، بس بدل ما أركب أتوبيس العاشر من رمضان وأروح شغلي، استأذنت نص يوم من المدير، وطلعت على بنك مصر فرع شبرا. وقفت قدام موظف خدمة العملاء وطلبت كشف حساب تفصيلي لآخر شهر. الموظف طبع الورق، وبدأ يعلم بالقلم الفسفوري: “يا فندم السحب بتاع إمبارح بالليل ده كان الساعة 11:42 من مكنة فرع أحمد حلمي، وقبله بتلات أيام في سحب 5 آلاف، وقبله بأسبوع في سحب 7 آلاف من نفس الحساب عن طريق الفيزا كارد.” الدنيا لفت بيا.. مش بس التمناشر ألف! ده الحساب اتنسف منه تلاتين ألف جنيه في أقل من عشر أيام! وأنا عشان مكنتش براجع الرسايل الدورية ومطمنة، الفلوس كانت بتتسحب من تحتي بالبطيء. خرجت من البنك رجلي مش شيلاني، روحت لورشة الأسطى محروس في قليوب، الراجل اللي إسلام بيتعامل معاه بقاله سنين ومبيصلحش التريلا غير عنده. دخلت الورشة، لقيت الأسطى محروس واقف يشرب شاي في كوباية إزاز معرقة وشحم الدنيا على إيديه. “صباح الخير يا حاج محروس.” “يا فتاح يا عليم، أهلاً يا ست ياسمين، خير يا بنتي في حاجة؟ إسلام لسه ماشي من نص ساعة واخد التريلا وطالع بيها على طريق الإسكندرية الصحراوي.” “خير يا حاج، كنت بس عايزة أسألك هو الفتيس كلف كام؟ عشان إسلام كان قايلي على رقم وعايزة أظبط الميزانية معاه.” الحاج محروس استغرب وبصلي وضحك: “فتيس إيه يا بنتي؟! العربية مفيهاش الهوا، ده مغير زيت وفلاتر بس الصبح بحوالي ألفين جنيه وكسور، وحاسبني عليهم كاش، فتيس إيه اللي اتغير؟ التريلا زي الالف ماشية على الطريق ما شاء الله عليها!” الدم هرب من وشي. ألفين جنيه بس.. أومال التمناشر ألف راحوا فين؟ والتلاتين ألف اللي قبلهم طاروا لحساب مين؟ شكرت الراجل وخرجت، وأنا بحس إن الأرض بتميد تحت رجلي. إسلام بيسرقني عيني عينك وبيكدب في وشي من غير ما يرمش، ولصالح مين؟ أهله؟ ولا فيه مصيبة تانية أنا معرفهاش؟ رجعت على البيت العصر، وكنت ناوية أواجه الكل، بس أول ما فتحت باب الشقة بالمفتاح، شميت ريحة سجاير قالية، وصوت ضحك طالع من الصالة، والمطبخ حالته تصعب على الكافر. الحلل مبهدلة، وطاسات الزيت محروقة ومرمية في الحوض، وزبالة الأكل على الرخامة، والذباب ملموم. دخلت لقيت نسمة ممددة على الكنبة الكبيرة، لابسة عباية بيتي من بتوعي أنا! عباية قطيفة كشمير كانت أمي شرياهالي في جهازي وكنت عيناها في الدولاب مبتتلبسش غير في المناسبات! وحماتي نادية قاعدة جمبها بتقشرلها برتقال وبتحطه في بؤها، وإبراهيم حاطط رجل على رجل وماسك الريموت وبيشرب سيجارة وبيرمي الرماد في فنجان القهوة بتاعي. أول ما شافوني، نادية لوت بوزها: “حمد الله على السلامة يا ست هانم، ده ميعاد ترجعي فيه؟ البيت يضرب يقلب ومفيش لقمة ناكلها، ونسمة هبطانة ومحتاجة تتغذى عشان الواد اللي في بطنها، هو الجواز عندك قعاد في المكاتب وتسييب البيت للخراب؟” بصيت لنسمة وقولت بصوت بيترعش من كتم الغيظ: “أنتِ إيه اللي ملبسك العباية دي؟ ومين سمحلك تفتحي دولابي وتاخدي هدومي أصلاً؟” نسمة نفخت ومسكت بطنها ومطت شفتها باستحقار: “فيها إيه يعني يا ياسمين؟ بطني كبرت وهدومي ضاقت عليا، وحماتي ربنا يباركلها قالتلي قومي شوفي عباية واسعة من عند ياسمين البسيها، هو إحنا غرب ولا هنستأذن في حتة جلابية قديمة؟” نادية قامت وقفت سندت على عصايتها وزعقت: “جرى إيه يا بنتي؟! مالك داخلة تفرعني علينا ليه من الباب؟ العباية مش هتطير ولا هتنقص، دي هتبقى خالة حفيدنا، هو أنتِ عشان قلبك منقبض ومش حاسة بنعمة الضنى هتبصي للي في بطنها حتى في حتة قماشة؟! ده بدل ما تجيبي دستة حلويات وتفرقيها على الجيران عشان البيت هيدخله حس عيل، قاعدة تبصي في اللقمة واللبس؟” الكلام كان بيضرب في قلبي زي الكرباج. بصيت لإبراهيم، كان قاعد بيبتسم ابتسامة صفرا ولا كأنه سامع حاجة، كأنه بيتفرج على مسرحية وبيستمتع بإهانتي في بيتي. أخدت نفس طويل، طويل أوي، وبردت أعصابي بالعافية. افتكرت كشف الحساب اللي في شنطتي، وعرفت إن المعركة دي لو دخلتها بالصوت العالي هيقلبوها عليا دراما وقلة أصل. دخلت أوضتي وقفلت الباب بالمفتاح. طلعت تليفوني، ورنيت على مهندس كمبيوتر كان شغال معانا في شركة قطع الغيار، واد شاطر وبيفهم في التكنولوجيا. “ألو، باشمهندس عصام.. معلش بتقل عليك، كنت محتاجة كاميرات مراقبة صغيرة ومخفية، من اللي بتتركب ومتشافش وتشتغل بالواي فاي وتسجل صوت والصورة على الموبايل علطول.. متوفرة عندك في المحل بتاعك؟” “أه طبعاً يا أبلة ياسمين، فيه كاميرات صغيرة قد زرار القميص وبتسجل HD ومعاها مايك حساس جداً، بس خير يا رب مفيش مشاكل في المخزن؟” “لا ده موضوع شخصي كده.. هعدي عليك بكرة الصبح آخدهم وافهمني بتتركب إزاي.” تاني يوم، استغليت إن نسمة وحماتي نزلوا العصر يروحوا للدكتور يطمنوا على الحمل حسب ما قالوا، وإبراهيم كان نايم زي القتيل في الأوضة التانية ومبيصحاش غير المغرب. دخلت الصالة بسرعة، وركبت كاميرا صغيرة في الفيشة بتاعة التلفزيون مموهة تماماً ومستحيل حد يلمحها، وكاميرا تانية ركبتها فوق النيش بين الكاسات موجهة ناحية الصالون وطربيزة السفرة، وظبطت البرنامج على تليفوني بحيث يبعتلي تنبيه أول ما يحصل صوت أو حركة، وبيسجل على كارت ميموري وعلى السحابة في نفس الوقت. ومن اليوم ده، بدأت رحلة المراقبة والوجع. إسلام رجع من السفر بعد يومين، وكان فاكر إن الموضوع نام. أول ما دخل رمى مفاتيحه، وعمل نفسه تعبان ومجهد. قعدت قدامه وقولتله بهدوء تام: “إسلام، الأسبوع اللي اتفقنا عليه عشان إبراهيم ومراته خلص النهاردة.. هيمشوا امتى؟” بصلي كأنه مكنش سامعني: “يمشوا يروحوا فين يا ياسمين؟ أنتِ مش شايفة نسمة في الشهر الرابع وتعبانة إزاي؟ والواد لسه ملقاش شغلانة كويسة، هرمي أخويا في الشارع عشان ترتاحي؟” “ده بيتي يا إسلام! ده حقي، إحنا اتفقنا على أسبوع، وأنا مش حمل مصاريف ولا حمل خدمة أربعة كبار في البيت غير شغلي.. الشقة مش هتساعنا كلنا.” حماتي كانت بتتصنت، دخلت علينا الأوضة من غير ما تخبط، وشها مشتعل نار: “الشقة واسعة وتاخد بدل الراجل عشرة! وإذا كان على الخدمة يا ست هانم إحنا مش عايزين منك لقمة، أنا هطبخ لولادي! لكن أخو جوزك مش هيخرج من هنا غير لما يستقر، والبيت ده بيت ابني طالما هو راجلك وعايش فيه، وكلمة الراجل هي اللي تمشي، وإلا بقى وريني هتعملي إيه!” إسلام وقف في ضهر أمه، ومسك دراعي بضغط خفيف بس فيه تهديد: “ياسمين.. أمي خط أحمر، وكلامها اللي هيمشي، إبراهيم مش ماشي، ومسمعش صوتك في الموضوع ده تاني عشان ميبقاش ليكي تصرف مش هيعجبك.. فاهمة؟” فضلت ساكتة. عيني في عينيه، مش خوف، بس كنت بحفر شكله في دماغي، الراجل اللي ائتمنته على اسمي وعمري وشقايا، بيبيعني عشان يرضي غرور عيلته ويستولى على مالي. هزيت راسي وقولت بهدوء غريب: “تمام يا إسلام.. اللي تشوفه.” استغربوا من هدوئي المفاجئ، افتكروا إني انكسرت وخضعت، ونادية خرجت من الأوضة وهي بتبتسم ابتسامة النصر وتغمز لابنها. تاني يوم الصبح، نزلت الشغل عادي جداً. فتحت الأبلكيشن على الموبايل في المكتب، وحطيت السماعات في ودني، وبدأت أراقب. الساعة كانت 11 الضهر. الصالة كانت فاضية، بعدين ظهرت نادية، لابسة جلابيتها وقاعدة على الكنبة، وبتنادي: “بت يا نسمة! تعالي يا بت اقعدي جمبي.” نسمة خرجت من الأوضة، والمفاجأة اللي شلت حركتي وخلتني أتنح في الشاشة.. نسمة مكنتش ماشية ببطء، ولا ساندة ضهرها، ولا حاطة إيدها على بطنها زي ما بتعمل قدامي! كانت ماشية بخفة وعادية جداً، وقعدت على الكنبة وحطت رجل على رجل، وطلعت علبة سجاير من جيب روبها وولعت سيجارة وشدت نفس عميق ونفخته في الهوا! حماتي شهقت بس بضحك: “يا بت اتهدي، افرضي ياسمين دي رنت ولا الباب خبط فجأة؟ بطلي شرب القرف ده لحد ما اللعبة تخلص!” نسمة ضحكت ضحكة رقيعة ورجعت شعرها لورا: “متقلقيش يا حجة، ياسمين دي في شغلها في العاشر ومش هترجع قبل خمسة المغرب، وبعدين الحزام ده خانقني أوي، كتمة على الفاضي في الحر ده، هو إحنا هنفضل رابطين المخدة والسيليكون ده كتير؟ أنا زهقت وعايزة أتنفس!” هنا.. الأرض دارت بيا ووقفت. المخدة؟ السيليكون؟ الحزام؟! نسمة مكنتش حامل؟! كل المسكنة، والمشي بالعافية، والدلع، وأكل الحلويات، والشهور الأربعة.. كله كان تمثيلية؟! نادية ردت عليها بغل وبصوت واطي: “اصبري يا بنتي! الصبر حلو.. إحنا لو مكنش الحوار ده اتعمل، مكانش إسلام عرف يضغط عليها عشان يدخلكم الشقة، ولا كانت هي سكتت أول ما جيتوا! لازم تفضلي عاملي فيها مكسحة وتعبانة لحد ما نتمكن من الشقة دي كويس. دي شقة تمنها يعدي مليونين جنيه في المنطقة دي، وأنا مش هسيب البت دي تتهنى بيها لوحدها وهي ملهاش حد يقف وراها بعد أبوها!” دخل إبراهيم في الكادر، لابس شورت وتيشيرت، وقعد جمب نسمة، وخد منها السيجارة وشد نفس: “أمي معاها حق يا نسمة، استحملي شوية.. إسلام امبارح ظبطلي الحساب، الفلوس اللي سحبها من كارتها إمبارح والمرات اللي فاتت خلاص دفعت منها مقدمة العربية النص نقل اللي هشتغل عليها، والباقي حطيته في جيبي مصاريف لينا. الواد إسلام ده طيب وغلبان، كل ما أقوله نسمة محتاجة دكاترة وأدوية تثبيت ومصاريف عيل، يجري يسحب من حسابها ويديني ويقولي متشلش هم يا أخويا، وهو أصلاً فاكر نفسه بيعمل خير وبيساعدني!” نادية ضحكت بانتصار وطبطبت على فخذ إبراهيم: “إسلام ده ابني وعارفة مدخله إزاي، مسكته من إيده اللي بتوجعه.. عقدة الخلفة! قولتله ياسمين مش ربنا كاتب لها تنجب، واحنا لازم نأمن مستقبل إبراهيم وابنه اللي جاي، والبت دي ملهاش غير الكنس والمسح في البيت ده، ولما نزهقها في عيشتها وتطلب الطلاق، البيت ده قانوناً هيبقى فيه حضانة لو كتبنا العيل باسمكم هنا، أو نلوي دراعها وتتنازل عن نصه عشان نخرج ونسيبها في حالها!” نسمة ضحكت: “بس إسلام مش هيشك لما بطني متبانش وتكبر؟” نادية: “ما تكبر إزاي ما الحزام السيليكون اللي جيبناه من العتبة بيكبر درجة درجة! والشهرين التلاتة الجايين هقوله حصل نزيف وسقطت، وساعتها نكون حطينا إيدنا على الشقة والواد إبراهيم اشتغل بالعربية ومحدش هيعرف يقلعنا من هنا!” كنت قاعدة على الكرسي في مكتبي، قلبي كان بيدق بسرعة جنونية لدرجة إني مكنتش قادرة أتنفس. الوجع اللي حسيت بيه في اللحظة دي مكنش وجع خيانة عادية، ده كان وجع غدر مرسوم بالمسطرة والقلم.. إسلام.. جوزي.. بيسرق فلوسي وشقايا ويديه لأخوه يشتري بيه عربية، ومش بس كده، متآمر مع أمه عشان يكسرني بوجعي الأكبر، وجع إني محرومة من الخلفة، ويدخلوا في بيتي واحدة كدابة ولابسة بطن سيليكون عشان يبتزوني عاطفياً ويسرقوا حقي وشقتي! نزلت دموعي باردة ومحروقة.. بس الدموع دي كانت آخر دموع هتنزل مني في الحكاية دي. الضعف اللي كان فيا اتبخر في ثانية، وحل مكانه غضب بارد، غضب عقلاني بيحسب كل خطوة بالسنتيمتر. فتحت البرنامج، وعملت حفظ لكل الفيديوهات دي على جوجل درايف، وبعت نسخة منها على إيميل الشغل، ونسخة تالتة على فلاشة صغيرة حطيتها في محفظتي. قفلت التليفون، وخدت إجازة باقي اليوم، وطلعت على محامي من معارف والدي في بنها، أستاذ رفعت، راجل عجوز وشاطر وشارب القانون صم. قعدت قدامه وكاتبله كل حاجة من طقطق لسلامو عليكم، ووريته عقود الشقة المسجلة باسمي، وكشف حساب البنك، والتسجيلات اللي صورتها الكاميرا صوت وصورة. الأستاذ رفعت قلع نضارته وبصلي بذهول: “يا ساتر يا رب! إيه النفوس دي يا بنتي؟! دول عصابة مش عيلة! بس اسمعيني كويس، طالما الشقة ملكك خالص بعقد بيع وشرا مشهر وواخداها هبة أو شرا قبل الجواز بمالك الخاص، هو ملوش مليم أحمر فيها، ولا يقدر يحط إيده على طوبة واحدة. وسرقة الفلوس من الحساب عن طريق الفيزا، طالما الكارت بتاعك ومفيش توكيل رسمي منك بالسحب، دي قضية استيلاء وخيانة أمانة توديه هو وأخوه في داهية. بس إحنا مش هنلجأ للمحاكم الأول وندخل في متاهات تأخد سنين.. إحنا هنمسكهم متلبسين، ونخليهم هما اللي يجروا ورا نفسهم.” “أعمل إيه يا أستاذ رفعت؟ أنا عايزة حقي، وعايزة كرامتي اللي اتهانت تترد قدام عيني وفي نفس المكان اللي اتهانت فيه.” الأستاذ رفعت ابتسم ابتسامة هادية: “استني لحد ما يغلطوا الغلطة الكبيرة اللي متتصلحش.. هما متفرعنين ومفكرينك صيد سهل، والفرعنة دي هتخليهم يتصرفوا بغباء. أول ما يحاولوا يكسروا حدود البيت رسمياً، كلميني وأنا هكون عندك بقوة القانون، وساعتها مش هيخرجوا غير بفضيحة.” رجعت البيت في ميعادي الطبيعي، كأن مفيش أي حاجة حصلت. دخلت، ولقيت نسمة رجعت للتمثيلية؛ ممددة وحاطة إيدها على بطنها وبتقول آه يا ضهري، ونادية بتسبح على السبحة وبتدعي للولد اللي في بطنها، وإسلام كان قاعد بيتفرج على التلفزيون. دخلت المطبخ بهدوء، عملت لنفسي كوباية شاي، ودخلت أوضتي وقفلت عليا. إسلام دخل ورايا بعد شوية، وبصلي بلوم: “مالك يا ياسمين؟ داخلة قالعة وش الخشب ومبتسلميش على حد ليه؟ أمي برة بتشتكي منك وبتقول إنك بتبصي لمرات أخويا بقرف.” بصيتله في عينيه، ومسكت نفسي بالعافية إني متفش في وشه: “أنا تعبانة من الشغل يا إسلام، وعايزة أنام.” “تعبانة؟ ماشي، بس اعملي حسابك، إحنا محتاجين نتكلم بكرة في موضوع مهم.. الأوضة الكبيرة اللي فوق دي مينفعش تفضل مقفولة كده متستغلة كراكيب، وإبراهيم ومراته محتاجين يستقروا عشان الولد لما ييجي يلاقي مكان ينام فيه.” الأوضة الكبيرة اللي بيتكلم عليها دي، كانت الأوضة الرئيسية للشقة، اللي كان والدي مجهزها ومفروشة بأنضف خشب، وكنت قفلاها بالمفتاح وشايلاها للزمن، عشان لما ربنا يكرمني بطفل أفرشهاله. بصيتله وقولت بنبرة حادة وواضحة: “الأوضة دي مش هتتفتح يا إسلام، ومش من حق حد يدخلها، وقولتلك إبراهيم ومراته وجودهم هنا مؤقت وهيخلص قريب.” اتعصب ونفض إيده في الهوا: “هنقعد ونشوف مين كلمته هتمشي في البيت ده يا ياسمين!” خرج ورزع الباب. الليلة دي منمتش.. كنت قاعدة في الضلمة، بصة للسقف، وكل ثانية بتعدي كانت بتقربني من اللحظة الحاسمة. كنت حاسة إن الانفجار قرب، وإن غبائهم وجشعهم هيوديهم للنهاية اللي يستحقوها. والمصادفة جت أسرع مما كنت أتخيل.. تاني يوم الصبح، إسلام نزل بدري ورايح مشوار في إدارة المرور عشان يخلص ورق التريلا. أنا عملت نفسي نازلة الشغل، ولبست ونزلت فعلاً، وقفت تحت العمارة في مدخل بيت جارتنا أم أحمد في وش البيت، وفتحت الموبايل أراقب الكاميرات لايف. الساعة تسعة الصبح بالظبط. لقيت حماتي نادية طالعة الدور التاني على السلم الداخلي للشقة، ووراها نسمة وإبراهيم. كانوا واقفين قدام باب الأوضة الكبيرة المقفولة. نادية ماسكة في إيدها أجنة وشاكوش! “اكسر يا إبراهيم الكالون ده! البيت ده بتاعنا والبت دي لازم تعرف حجمها، لما تيجي من الشغل وتلاقي العفش بتاعك جوة والأوضة بتاعتك خلاص، مش هتعرف تفتح بؤها ولا تنطق بنص كلمة!” إبراهيم: “يا أمي استني لما إسلام ييجي هو اللي يتصرف معاها.” نادية زعقت فيه: “إسلام بيخاف من خياله، اكسر بقولك! خلي مراتك تدخل ترتاح في السرير الكبير، دي حامل في ولي العهد، اكسر وما تخافش، البيت ده بيت ابني والرجالة هي اللي تحكم!” إبراهيم مسك الشاكوش، وبدأ يضرب على الكالون بكل غل وقوة.. ضربة ورا ضربة.. صوت التكسير كان طالع في السماعة نقي وواضح، والكاميرا بتصور وشه وهو بيكسر، ووش نسمة وهي بتضحك بشماتة ومستنية تدخل، ووش نادية وهي بتهلل وتشجع فيه: “عاش يا واد! اكسر كبريائها واكسر مناخيرها في الأرض، عشان تعرف مين أسياد البيت ده!” في اللحظة دي، ضرب الكالون طار، والباب اتفتح على مصراعيه! نسمة دخلت تجري ورمت نفسها على السرير الكبير بالروب بتاعها وضحكت بصوت عالي: “الله! الأوضة دي ملكي من النهاردة، مش هطلع منها أبداً!” قفلت الموبايل وإيدي بتترعش من الثبات الانفعالي. اتصلت بالأستاذ رفعت: “أستاذ رفعت.. اللحظة جت، كسروا الكالون واقتحموا الأوضة بالقوة وكل حاجة متسجلة لايف صوت وصورة.” رد عليا بصوت حاسم: “اطلعي على قسم شبرا فوراً واعملي محضر كسر واقتحام وسرقة مسكن، وأنا هقابلك قدام القسم بالتوكيلات وعقود الملكية، وهنطلع بقوة من القسم نطب عليهم متلبسين!” طلعت على القسم زي الصاروخ. الغضب اتقلب لقوة وطاقة عمري ما حسيت بيها في حياتي. عملت البلاغ، والأستاذ رفعت جاب كل الأوراق الرسمية اللي تثبت إن الشقة ملكي الخالص، وفيديوهات الكاميرا كانت كافية تخلي رئيس المباحث يدي أمر فوري بنزول أمين شرطة وقوة معاينة عشان يثبتوا حالة التلبس والكسر. في نفس الوقت، اتصلت بإسلام وقولتله بصوت هادي ومصطنع الرعب: “إسلام.. الحقني، أنا رجعت البيت نسيت ورق مهم، ولقيت باب الأوضة مكسور والبيت مقلوب، تعالى بسرعة لأن البيت بيتسرق!” طبعاً إسلام اتخض وجه يجري، وهو فاكر إنه هييجي يلاقيني بنهار قدام أمه وأخوه ويفرض سيطرته عليا. وصلت قدام باب العمارة.. عربيات البوكس وقفت على أول الشارع، ونزل أمين الشرطة ومعاه اتنين عساكر وطلعوا ورايا على السلالم في هدوء تام. وقفت قدام باب الشقة.. وحطيت المفتاح في الباب، وفتحته على آخره. المشهد جوة كان قمة في الفوضى والعنجهية.. الشنط والكراتين بتاعة إبراهيم ونسمة اتنقلت كلها جوة الأوضة الكبيرة، وحماتي نادية كانت قاعدة على كرسي الصالون في وش الباب، رافعة راسها للسما وبتشرب شاي، وإسلام كان لسه واصل وواقف جمب أمه بيضحك، وبيقولها: “يعني مكنش لزوم الاستعجال ده يا أمي، بس يالا، أهو أمر واقع ولازم ياسمين ترضى بيه!” وفجأة.. دخلت أنا. ومن ورايا دخل الأستاذ رفعت المحامي، وأمين الشرطة بالبدلة الميري واتنين عساكر شايلين بنادقهم. السكوت نزل على الصالة زي الصاعقة. كوباية الشاي وقعت من إيد نادية اتكسرت على الأرض والشاي السخن طرطش على رجليها: “ي.. يا مري! إيه ده؟! بوليس في بيتي؟!” إسلام اتصدم، وشه بقى أبيض زي اللوح التلج، وجري عليا يزعق: “ياسمين! إيه اللي أنتِ عاملاه ده؟! جايبة الحكومة في بيتي عشان نمرة عائلية؟! اتجننتي؟!” أمين الشرطة زقه في صدره بكل حزم: “ارجع ورا يا جدع أنت ومسمعش صوتك! فين صاحبة الشقة؟” أنا وقفت قدامهم، ثابتة كأني جبل، شاورت على الأوضة اللي كالونها مكسور ومرمي على الأرض: “أنا صاحبة الشقة يا باشا، ودي عقود الملكية المسجلة، والناس دول كسروا الكالون واقتحموا الأوضة وسرقوا حاجتي واستولوا على الشقة بالقوة الجبرية، والكسر باين قدامك اهو في الحلق والباب!” نادية قامت تصوت وتلطم على وشها وتعمل دراما: “يا لهوي يا فضيحتي في المنطقة! البت دي اتبلت علينا يا حضرة الظابط! ده بيت ابني! وإحنا عيلته وبنقعد معاه، ومرات ابنه التاني حامل وتعبانة وملهاش مأوى، عايزة ترمينا في الشارع يا ظالمة؟!” نسمة خرجت من الأوضة بتترعش، وحاطة إيدها على بطنها وتبكي بدموع تماسيح: “حرام عليكي يا ياسمين، أنا في الشهر الرابع وحامل والواد هيسقط من الخضة، اتقي ربنا فينا!” إبراهيم وقف يتلعثم: “يا باشا دي خلافات أسرية والله، مفيش كسر ولا حاجة، الكالون كان مفوت بس وإحنا صلحناه!” الأستاذ رفعت طلع صوته الجهوري ووقف قدام أمين الشرطة: “مفيش خلافات أسرية هنا يا فندم، دي جريمة اقتحام مسكن وإتلاف ممتلكات ثابتة، وده كشف حساب بنكي يثبت استيلاء الزوج وأخوه على مبالغ تتجاوز 40 ألف جنيه من حساب موكلتي دون وجه حق وخيانة أمانة!” إسلام عينيه وسعت من الرعب، وبصلي بذهول وهو بيهمس: “ياسمين.. أنتِ بتعملي إيه؟ ده أنا جوزك!” بصيتله باحتقار عمري ما بصيته لبني آدم قبل كده، وقولتله بصوت هادي ومسموع للكل: “جوزي ده كان زمان.. لما كنت فاكراك راجل بيصون عرضه وماله، مش حرامي بيسرق شقايا عشان يسلّك لأخوه ويديه يشتري عربية!” نادية صرخت: “اخرسي يا قليلة الأصل! عربية إيه وفلوس إيه؟! ده إبراهيم كحيان ومعهوش مليم، والفلوس اللي جابها كانت عشان دكاترة نسمة وعشان الولد اللي في بطنها!” ابتسمت.. الابتسامة دي كانت الرد اللي هما مش متوقعينه. مديت إيدي في شنطتي، وطلعت الفلاشة، ووصلتها بشاشة التلفزيون الكبيرة اللي في الصالة، وبضغطة واحدة من الريموت، اشتغلت الشاشة بأعلى صوت. وصوت نسمة ملأ البيت كله: “… وبعدين الحزام ده خانقني أوي، كتمة على الفاضي في الحر ده، هو إحنا هنفضل رابطين المخدة والسيليكون ده كتير؟ أنا زهقت وعايزة أتنفس!…” وصوت نادية بيرد بكل وضوح: “… اصبري يا مقصوفة الرقبة! الصبر حلو.. إحنا لو مكنش الحوار ده اتعمل، مكانش إسلام عرف يضغط عليها عشان يدخلكم الشقة… دي شقة تمنها يعدي مليونين جنيه…” وصوت إبراهيم وهو بياخد نفس السيجارة: “… الواد إسلام ده طيب وغلبان، كل ما أقوله نسمة محتاجة مصاريف عيل، يجري يسحب من حسابها ويديني ويقولي متشلش هم يا أخويا!…” الصدمة في الصالة كانت مرعبة.. إسلام وشه اتشل، عينيه كانت طالعة لبرة كأن روحه بتتسحب منه، بيبص للشاشة ومش قادر يصدق ودانه ولا عينيه.. بيبص لأمه، ويبص لأخوه، ويبص لنسمة اللي وشها بقى أصفر زي الموتى ووقفت مصلوبة في مكانها ومش قادرة تبتلع ريقها. نادية قعدت على أقرب كرسي ورجلها مش شيلالها، وفمها اتفتح ومش طالع منه ولا حرف، كأن لسانها اتقطع. قربت من نسمة بخطوات بطيئة وواثقة.. الكل كان ساكت، حتى أمين الشرطة والعساكر كانوا بيبصوا بذهول على المسرحية اللي بتتكشف قدامهم صوت وصورة. وقفت قدام نسمة مباشرة، وقولت بصوت هادي وقاطع: “بتقولي حامل في الرابع يا نسمة؟ والواد هيسقط من الخضة؟ طب كفاية تمثيل لحد كده، طلعي اللي حطاه تحت الهدوم عشان الحقيقة تبان قدام الحكومة.” نسمة ارتبكت تماماً، وبدأت تتراجع لورا وهي بترتجف ودموعها نزلت بجد مش تمثيل. وفي لحظة ذعر، ومع حركة ارتباكها الشديدة وهي بتدافع عن نفسها، سقط حزام السيليكون والبطن المزيفة من تحت العباية على الأرض قدام عينين أمين الشرطة وإسلام والكل! وقعت البطن المزيفة على البلاط بصوت مكتوم، وفضل حزام السيليكون متعلق بوسطها وهي منهارة من الفضيحة. إسلام صرخ صرخة هستيرية ووقع على ركبتيه في الأرض وهو حاطط إيده على راسه: “كدب!.. إنتو ضحكتوا عليا؟! كنتوا بتلعبوا بيا وبمراتي وسرقتوني عشان كدبة؟!” أمين الشرطة بص للبطن المزيفة اللي على الأرض، وبعدين بص لعساكره وقال بصوت صارم: “لمّ الحرز ده يا أمين.. والكل قدامي على القسم، اقتحام مسكن، نصب، وتزوير حمل وهمي، وسرقة أموال! قدامي يلا!” الكل اتسحب لبرة الشقة في حراسة البوليس، نادية كانت بتدحرج على السلالم وهي مش قادرة ترفع راسها من الفضيحة، وإبراهيم مبلوع لسانه، ونسمة ماشية وهي منهارة، وإسلام خرج مكسور ومنتهي، بعد ما خسر بيته وكرامته وكل حاجة بسبب طمع عيلته. وقفت في نص الصالة الواسعة، بصيت للحيطان ولعفشي وللبيت اللي رجعلي طاهر ونضيف من كل النفاق ده، حسيت إن روحي رجعتلي، وإن الحق مهما طال الزمن، بياخد مجراه وينصر صاحبه. “هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”