طـ.ـمع تحت سقف بيتى١
الجزء الثاني
رنة الموبايل بالرسالة دي كانت زي طلقة رصاص في سكون الصالة: “تم سحب مبلغ 18000 جنيه مصري من ماكينة ATM….”
فضلت باصة للشاشة، عيني متبتة في الأرقام، والدم بيغلي في عروقي غليان. الكارت ده مكنش كارت عادي، ده كان كارت حساب التوفير اللي عملاه باسمي، وكنت سايباه في محفظة إسلام كأمان عشان لو العربية عطلت بيه على طريق الصعيد، لو كاوتش فرقع في نص الليل، لو احتاج يفك زنقة نقلة ومعهوش سيولة. كارت طوارئ لقمة العيش، مش كارت يتسحب منه تمناشر ألف جنيه كاش في لمح البصر كده ومن مكنة في شارع شبرا الرئيسي على بعد خطوات من البيت!
دخلت الأوضة عليه، كان قاعد مأنتخ على السرير بالفانلة الحمالات، وماسك تليفونه بيقلب فيه ببرود، والتكييف شغال على أعلى حاجة، وصوت ضحكات أمه وأخوه ومرات أخوه في الصالة جايب لآخر الشارع، كأنهم فاتحين مكان عام مش قاعدين في بيت ناس.
رميت التليفون في وشه من غير مقدمات: “إيه السحب ده يا إسلام؟ التمناشر ألف دول راحوا فين وفي نص الليل كده ليه؟”
اتخض في الأول، وشه جاب ألوان، بس استرجع بروده بسرعة البرق، وقام قعد وصلب طوله، وبصلي بنظرة كلها استهوان: “جرى إيه يا ياسمين؟ داخلة عليا حامية كده ليه زي القضا المستعجل؟ فتيس العربية كان فيه بوش وبيرزع، والميكانيكي قالي لو مسافرتش بيه مشدود هيكسر التاج والكرونة، روحت سحبت الفلوس وحاسبته واديت للورشة عربون لقطع الغيار، فيها حاجة دي يعني؟ الفلوس رايحة في شغل هي رايحة فسحة؟”
بصيت في عينيه.. الست لما بتعاشر راجل ست سنين، بتبقى حافظة رفة رمشه، عارفة نبرة صوته لما بيكون صادق، ولمعة عينيه لما بيبدأ يرص الكدب. النبرة كانت متوترة، وصوته عالي بزيادة عن اللزوم، كأنه بيحاول يقنع نفسه قبل ما يقنعني.
“ميكانيكي مين يا إسلام اللي فاتح لحد واحدة بالليل في شبرا بياخد تمناشر ألف كاش؟ وأنت أصلاً النقلة بتاعتك طالعة بكرة العصر مش النهاردة؟”
هنا وشه اتقلب، وعروق رقبته نفرت، ونفخ بصوت عالي: “هو تحقيق يا ياسمين؟! هو أنا شغال عندك وبقبض منك باليومية؟ ما تلمي لسانك شوية وبطلي شك وسوسة، الفلوس راحت في مصلحة وخلاص، بكرة النقلة تخلص وأردلك القرشين بتوعك، متبقيش ماسكة في الفلوس كأنها روحك كده، إيه المعاملة دي!”
سابني وخرج ورزع الباب وراه، وسمعت حماتي برة بتقوله بصوت واطي بس مسموع: “مالها الست دي بتزعق ليه؟ حسها عالي عليك في بيتك يا إسلام؟ إيه الرجالة اللي طرية دي!”
دموعي نزلت في اللحظة دي مش من القهرة على الفلوس، بس من الإحساس بالاستباحة.. البيت مابقاش بيتي، ومالي مابقاش مالي، وكرامتي بتتداس كل يوم. قعدت على طرف السرير ألملم شتات نفسي. أبويا الله يرحمه كان تاجر بيقرا الناس من نظرة، وكان دايماً يقولي: “يا ياسمين، اللي يكدب في قرش يكدب في عرض، واللي يستبيح مالك النهاردة يستبيح كرامتك بكرة.. متبقيش غبية ومتمشيش ورا الكلام، امشي ورا الورق والأرقام.”
كلام أبويا رن في ودني زي الجرس. مسحت دموعي بإيدي، وقمت من على السرير. الغضب العميق مش هيجبلي حقي، اللي هيجيب حقي هو الهدوء والتربيط على مية بيضا.
تاني يوم الصبح، إسلام نزل بدري بحجة إنه رايح الورشة يشوف العربية قبل السفر. أنا نزلت وراه على طول، بس بدل ما أركب أتوبيس العاشر من رمضان وأروح شغلي، استأذنت نص يوم من المدير، وطلعت على بنك مصر فرع شبرا. وقفت قدام موظف خدمة العملاء وطلبت كشف حساب تفصيلي لآخر شهر. الموظف طبع الورق، وبدأ يعلم بالقلم الفسفوري: “يا فندم السحب بتاع إمبارح بالليل ده كان الساعة 11:42 من مكنة فرع أحمد حلمي، وقبله بتلات أيام في سحب 5 آلاف، وقبله بأسبوع في سحب 7 آلاف من نفس الحساب عن طريق الفيزا كارد.”
الدنيا لفت بيا.. مش بس التمناشر ألف! ده الحساب اتنسف منه تلاتين ألف جنيه في أقل من عشر أيام! وأنا عشان مكنتش براجع الرسايل الدورية ومطمنة، الفلوس كانت بتتسحب من تحتي بالبطيء.
خرجت من البنك رجلي مش شيلاني، روحت لورشة الأسطى محروس في قليوب، الراجل اللي إسلام بيتعامل معاه بقاله سنين ومبيصلحش التريلا غير عنده. دخلت الورشة، لقيت الأسطى محروس واقف يشرب شاي في كوباية إزاز معرقة وشحم الدنيا على إيديه.
“صباح الخير يا حاج محروس.”
“يا فتاح يا عليم، أهلاً يا ست ياسمين، خير يا بنتي في حاجة؟ إسلام لسه ماشي من نص ساعة واخد التريلا وطالع بيها على طريق الإسكندرية الصحراوي.”
“خير يا حاج، كنت بس عايزة أسألك هو الفتيس كلف كام؟ عشان إسلام كان قايلي على رقم وعايزة أظبط الميزانية معاه.”
الحاج محروس استغرب وبصلي وضحك: “فتيس إيه يا بنتي؟! العربية مفيهاش الهوا، ده مغير زيت وفلاتر بس الصبح بحوالي ألفين جنيه وكسور، وحاسبني عليهم كاش، فتيس إيه اللي اتغير؟ التريلا زي الالف ماشية على الطريق ما شاء الله عليها!”
الدم هرب من وشي. ألفين جنيه بس.. أومال التمناشر ألف راحوا فين؟ والتلاتين ألف اللي قبلهم طاروا لحساب مين؟ شكرت الراجل وخرجت، وأنا بحس إن الأرض بتميد تحت رجلي. إسلام بيسرقني عيني عينك وبيكدب في وشي من غير ما يرمش، ولصالح مين؟ أهله؟ ولا فيه مصيبة تانية أنا معرفهاش؟
رجعت على البيت العصر، وكنت ناوية أواجه الكل، بس أول ما فتحت باب الشقة بالمفتاح، شميت ريحة سجاير قالية، وصوت ضحك طالع من الصالة، والمطبخ حالته تصعب على الكافر. الحلل مبهدلة، وطاسات الزيت محروقة ومرمية في الحوض، وزبالة الأكل على الرخامة، والذباب ملموم.
دخلت لقيت نسمة ممددة على الكنبة الكبيرة، لابسة عباية بيتي من بتوعي أنا! عباية قطيفة كشمير كانت أمي شرياهالي في جهازي وكنت عيناها في الدولاب مبتتلبسش غير في المناسبات! وحماتي نادية قاعدة جمبها بتقشرلها برتقال وبتحطه في بؤها، وإبراهيم حاطط رجل على رجل وماسك الريموت وبيشرب سيجارة وبيرمي الرماد في فنجان القهوة بتاعي.
أول ما شافوني، نادية لوت بوزها: “حمد الله على السلامة يا ست هانم، ده ميعاد ترجعي فيه؟ البيت يضرب يقلب ومفيش لقمة ناكلها، ونسمة هبطانة ومحتاجة تتغذى عشان الواد اللي في بطنها، هو الجواز عندك قعاد في المكاتب وتسييب البيت للخراب؟”
بصيت لنسمة وقولت بصوت بيترعش من كتم الغيظ: “أنتِ إيه اللي ملبسك العباية دي؟ ومين سمحلك تفتحي دولابي وتاخدي هدومي أصلاً؟”
نسمة نفخت ومسكت بطنها ومطت شفتها باستحقار: “فيها إيه يعني يا ياسمين؟ بطني كبرت وهدومي ضاقت عليا، وحماتي ربنا يباركلها قالتلي قومي شوفي عباية واسعة من عند ياسمين البسيها، هو إحنا غرب ولا هنستأذن في حتة جلابية قديمة؟”
نادية قامت وقفت سندت على عصايتها وزعقت: “جرى إيه يا بنتي؟! مالك داخلة تفرعني علينا ليه من الباب؟ العباية مش هتطير ولا هتنقص، دي هتبقى خالة حفيدنا، هو أنتِ عشان قلبك منقبض ومش حاسة بنعمة الضنى هتبصي للي في بطنها حتى في حتة قماشة؟! ده بدل ما تجيبي دستة حلويات وتفرقيها على الجيران عشان البيت هيدخله حس عيل، قاعدة تبصي في اللقمة واللبس؟”
الكلام كان بيضرب في قلبي زي الكرباج. بصيت لإبراهيم، كان قاعد بيبتسم ابتسامة صفرا ولا كأنه سامع حاجة، كأنه بيتفرج على مسرحية وبيستمتع بإهانتي في بيتي.
أخدت نفس طويل، طويل أوي، وبردت أعصابي بالعافية. افتكرت كشف الحساب اللي في شنطتي، وعرفت إن المعركة دي لو دخلتها بالصوت العالي هيقلبوها عليا دراما وقلة أصل. دخلت أوضتي وقفلت الباب بالمفتاح.
طلعت تليفوني، ورنيت على مهندس كمبيوتر كان شغال معانا في شركة قطع الغيار، واد شاطر وبيفهم في التكنولوجيا.
“ألو، باشمهندس عصام.. معلش بتقل عليك، كنت محتاجة كاميرات مراقبة صغيرة ومخفية، من اللي بتتركب ومتشافش وتشتغل بالواي فاي وتسجل صوت والصورة على الموبايل علطول.. متوفرة عندك في المحل بتاعك؟”
“أه طبعاً يا أبلة ياسمين، فيه كاميرات صغيرة قد زرار القميص وبتسجل HD ومعاها مايك حساس جداً، بس خير يا رب مفيش مشاكل في المخزن؟”
“لا ده موضوع شخصي كده.. هعدي عليك بكرة الصبح آخدهم وافهمني بتتركب إزاي.”
تاني يوم، استغليت إن نسمة وحماتي نزلوا العصر يروحوا للدكتور يطمنوا على الحمل حسب ما قالوا، وإبراهيم كان نايم زي القتيل في الأوضة التانية ومبيصحاش غير المغرب. دخلت الصالة بسرعة، وركبت كاميرا صغيرة في الفيشة بتاعة التلفزيون مموهة تماماً ومستحيل حد يلمحها، وكاميرا تانية ركبتها فوق النيش بين الكاسات موجهة ناحية الصالون وطربيزة السفرة، وظبطت البرنامج على تليفوني بحيث يبعتلي تنبيه أول ما يحصل صوت أو حركة، وبيسجل على كارت ميموري وعلى السحابة في نفس الوقت.
ومن اليوم ده، بدأت رحلة المراقبة والوجع.
إسلام رجع من السفر بعد يومين، وكان فاكر إن الموضوع نام. أول ما دخل رمى مفاتيحه، وعمل نفسه تعبان ومجهد. قعدت قدامه وقولتله بهدوء تام: “إسلام، الأسبوع اللي اتفقنا عليه عشان إبراهيم ومراته خلص النهاردة.. هيمشوا امتى؟”