دخلت بيتى

ما زال يسيل بين قدميّ، والألم يعتصر أحشائي كلحظات انفجار متتالية. سيف وميرهان ما زالا يضحكان، ضحكهم صار صاخباً، مليئاً بالسخرية والاستخفاف، كأنني ألعب معهم مسرحية سخيفة لا معنى لها.
ميرهان اقتربت خطوة، ومدت يدها كأنها تريد انتزاع الهاتف من يدي، وقالت بلهجة حادة قفلي الخط ده فوراً يا مچنونة! عشان ما أجعل حياتك چحيم لا يُطاق!
لكنني تراجعت خطوة واحدة، وشدت على الهاتف بكل ما تبقى لي من قوة، ورفعت صوتي قدر استطاعتي، والدمع يختلط مع آلامي
عمي سيد.. أنا مريم.. أنا في بيتي في القاهرة.. أنا مھددة پالقتل.. وابني في بطني پينزف.. وسيف وميرهان ضړبوني.. وكلهم عايزوني أموت!
الصوت من الناحية التانية تغير فجأة. لم يعد هادئاً فقط، بل انقلب إلى صوت صارم، قاسٍ، كأنه صوت الرعد الذي يسبق المطر الغزير. لم ېصرخ، لكن كل كلمة كانت كالسيف المسلول
اكتبي العنوان بالتفصيل يا بنتي.. وأرسليه لي في رسالة الآن.. ولا تغلقي الهاتف أبداً.. سامعة؟ لا تغلقيه ولو لثانية واحدة.
حاضر.. حاضر يا عمي سيد.. العنوان هو.. وذكرت له العنوان بالكامل، رقم الشارع، اسم الحي، رقم الشقة، كل شيء، وأنا يرتجف جسدي كله.
بمجرد أن انتهيت من ذكر العنوان، سمعت صوتاً خفيفاً من الناحية التانية، كأنه ينقر على زر، ثم قال بصوت ثابت لا يرتجف فيه شعرة
الآن.. اجلسي في مكان آمن قدر استطاعتك.. ولا تفتحي الباب لأحد غير من أقول لكِ عليه.. وسنكون عندك قبل أن تمر الساعة.. لا تخافي يا بنتي.. دمك غالي عندنا.. ولن يضيع أبداً.
وانقطع الخط.
نظرت إلى الشاشة السوداء لهاتفي القديم الذي استخدمته، ثم رفعت رأسي ونظرت إليهما. سيف توقف عن الضحك، وعلى وجهه بدأت تظهر علامات عدم الارتياح، أما ميرهان فما زالت تظن أن الأمر مجرد مكالمة هاتفية عادية مع رجل بسيط لا حول له ولا قوة.
انتهيتِ من مسرحيتك السخيفة دي؟ قالت ميرهان بلهجة ساخرة جداً، وهي تعيد لف نفسها بالبطانية كأنها ملكة تجلس على عرشها عمتك سيد جاي ينجدك؟ الراجل اللي ما يملك غير مزرعة وقليل من الماشية في قرية نائية؟ هل هو جاي على حمار؟ ولا استأجر له مركبة أجرة تاخده يوم كامل عشان يوصل للقاهرة؟
سيف سار نحوي ببطء، وعيناه تلمعان پغضب حقيقي لم أره من قبل، وقال بصوت منخفض مهدداً
أنتِ عملتيها يا مريم.. أنتِ اتصلتي بغريب وشتكيتي أسرار بيتنا.. الآن حتى لو جاء أحد.. لن يخرج أحد من هنا سالماً.. فهمتي؟ لا أحد!
دفعني بكل قوته فسقطت على الأرض الخشبية الباردة، واشتد الألم في بطني، وشعرت ببرودة شديدة تسري في عظامي، والدم ما زال يتدفق، رطبًا ودافئًا ثم يبرد بسرعة تحت جسدي. نظرت إلى سقف الشقة، ثم إلى الساعة المعلقة على الحائط.. كانت الساعة تشير إلى الخامسة مساءً.
مرت خمس دقائق.. عشر دقائق.. نصف ساعة.
كل دقيقة كانت تمثل لي عمراً كاملاً. كنت أحس بكل نبض في جسدي، بكل ألم يعتصرني، بكل خوف يملأ روحي. كنت أخشى أن أغمض عيني لحظة فلا أستيقظ مرة أخرى. كنت أخشى أن يكون طفلي قد فارق الحياة بالفعل، وأنني سأموت هنا وحيدة، لا أحد يعلم بمصيري، والجميع يظن أنني هربت أو أنني تخلصت من نفسي بطريقة ما.
سيف جلس على الكرسي المقابل لي، واضعاً ساقاً فوق ساق، ينظر إليّ بترقب وقلق يحاول إخفاءه خلف قناع من اللامبالاة. ميرهان ذهبت إلى المطبخ وعادت بكوب شاي، تجلس وتحتسيه بهدوء مصطنع، وتلقي عليّ نظرات

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *