دخلت بيتى

وريث هذا الواجب.. اعلمي يا مريم أن القوة الحقيقية ليست في أن تكوني قادرة على إيذاء أحد.. بل في أن تصمدي عندما ينهار كل شيء حولك.. وأن تختاري الطريق الصحيح مهما كان طويلاً وصعباً.. لقد فعلتِ الشيء الصحيح عندما لم تستسلمي.. عندما اتصلتِ بنا.. لم تخسري شيئاً يستحق البكاء.. لقد تخلصتِ من عبء ثقيل كان يمنعكِ من الطيران.. والآن أنتِ حرة.. حرة تماماً..
خرج من جيبه ظرفاً وأعطانيه، وعندما فتحته وجدته يحتوي على أوراق ملكية لمنزل صغير ولكن جميل في حي هادئ، ومبلغ مالي كافٍ لبداية جديدة.
هذا من حقكِ من أبيكِ.. لقد ترك لكِ كل هذا في وصيته، وطلب مني أن أسلمه لكِ فقط عندما تتأكدين أنكِ قوية بما يكفي لتعتمدي على نفسك.. والآن قد حان الوقت.. هذا بيتكِ الجديد.. لا أحد يستطيع أن يأخذكِ منه أو يضركِ فيه.. أنتِ سيدة نفسكِ وسيدة بيتكِ.
بكيت من الفرحة هذه المرة، بكيت لأنني وجدت الأمان الذي افتقدته طويلاً، ولأنني اكتشفت أنني لم أكن وحدي أبداً، وأن هناك من يقف خلفي ويحميني دون أن أعرف.

الجزء الخامس الشفاء والبداية الجديدة
مرت الأشهر التالية ببطء ولكن بثبات. انتقلت إلى بيتي الجديد، شقة صغيرة في الطابق الأول، ذات شرفة تطل على حديقة صغيرة مليئة بالزهور، الهواء فيها نقي، والشمس تدخل كل زاوية في الصباح. لم يكن هناك صوت صړاخ، ولا نظرات احتقار، ولا تهديدات بالليل والنهار. فقط الهدوء.. الهدوء الذي طالما حلمت به.
استمرت متابعة العلاج في المستشفى، وبفضل الرعاية الطبية والمتابعة المستمرة، تحسنت حالتي الجسدية تدريجياً. لكن الچرح النفسي كان يحتاج إلى وقت أطول بكثير. كنت أستيقظ أحياناً في منتصف الليل مرتجفة، أتخيل أن سيف قد عاد، أو أن ميرهان تطرق على الباب لتوبخني على شيء لم أفعله. لكن في كل مرة، أتذكر أنني في بيتي، وآمنة، وأن الباب مغلق، وأن هناك من يحميني، فأعود للنوم مطمئنة.
في الشهر الخامس، أخبرني الطبيب أن الجنين قد تجاوز مرحلة الخطړ، وأن نبضه أصبح قوياً جداً. بكيت من السعادة، ووضعت يدي على بطني وأحدث طفلي بصوت خفي سنكون بخير يا صغيري.. سنكون بخير معاً..
بدأت أمارس حياتي ببطء. اشتريت كراسة وقلم، وبدأت أكتب. لم أكن أعرف ماذا أكتب في البداية، فقط كنت أسجل ما حدث لي، شعوري، آلامي، وأمالي. ثم تحولت الكتابة إلى قصص، ثم إلى مقالات عن حقوق المرأة، عن العڼف المنزلي، عن الصمت الذي نعيشه خوفاً من الكلام. أرسلت بعضها لمواقع إلكترونية ومجلات، وفوجئت بقبولها وقراءة الناس لها، وبدأت رسائل التعاطف تصلني من نساء في مواجهات مماثلة، يقولن لي إن قصتي أعطتهن الأمل والشجاعة للطلب للمساعدة.
عرفت أن معاناتي لم تذهب سدى، وأن هناك فائدة كبيرة يمكن أن تخرج من هذا الألم إذا حولته إلى قوة للخير.
زارني عمي سيد بين الحين والآخر، أحياناً يأتي وحده، وأحياناً مع أفراد من العائلة، وكنا نتناول الغداء معاً، وكان يحدثني عن أبي، عن طفولته، عن أسباب اختياره العيش في الصعيد، وعن القيم التي رباني عليها دون أن أشعر. علمت أن أبي كان يعلم أنني قد أواجه صعوبات في الحياة بمفردي، ولهذا ترك لي كل ما أحتاجه، وترك أيضاً وصية لعمي سيد بأن لا يتدخل في حياتي إلا عندما أكون في حاجة ماسة، لكي أتعلم الاعتماد على نفسي أولاً، ولكي أجد طريقي بنفسي.
والدك كان يؤمن بأن أعظم هدية يمكن أن تمنحها لابنك هي الحرية والثقة

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *