دخلت بيتى

الجزء الثالث الحقيقة التي هزت العروش
جلس عمي سيد على أقرب كرسي، بينما وقف الرجلان اللذان معه بجانب الباب، بلا حركة ولا كلام، كأنهم تماثيل من حديد. سيف وميرهان وقفا في منتصف الغرفة، لا يدريان

أين يجلسان ولا ماذا يفعلان، فالرهبة كانت تملأ المكان، والهواء نفسه صار ثقيلاً صعب التنفس.
عمي سيد نظر إليهما للحظات طويلة، ثم بدأ يتكلم بصوت ثابت
أولاً.. اسمحوا لي أن أصحح لكم بعض المعلومات الخاطئة التي تعاملتم بها مع ابنة أخي.. كنتم تعتقدون أن عائلتها مجرد عائلة بسيطة في الصعيد.. أب رحل، وأخ له لا حول له ولا قوة.. صحيح؟
ميرهان حاولت أن تستعيد بعض توازنها، وقالت بصوت ضعيف جداً نحن لم نقصد.. كنا نظن..
لا تُكملي قطعها ببرودة هادئة فما ظننتموه ليس مجرد خطأ عادي.. بل هو جهل جعلكم تجرؤون على ما تجرؤتم عليه.. اسمعوا جيداً.. والد مريم.. أخي الراحل.. لم يكن مجرد رجل صعيدي بسيط كما تصورتموه.. بل كان واحداً من أبرز رجال القانون والقضاء في هذا البلد.. اختار أن يعيش حياة بسيطة في مسقط رأسه في الصعيد لأسباب خاصة به.. ورفض كل المناصب العليا التي عرضت عليه مراراً وتكراراً لأنه كان يؤمن بأن العزة لا تكمن في المنصب بل في النفس..
صمت للحظة، ثم أضاف بصوت أخفض قليلاً لكنه ازداد قوة
وأنا سيد.. أنا لست مجرد مزارع.. أنا رئيس مجلس إدارة مجموعة شركات الصعيد للتنمية والتجارة.. وأمتلك استثمارات تمتد من أسوان حتى الإسكندرية.. ولدي علاقات وصداقات مع من هم في أعلى مواقع المسؤولية في هذا الوطن.. لم أتحدث عن ذلك لأحد طوال حياتي لأن المال والسلطة وسائل وليست غايات.. لكن عندما يُمس كرامة بناتنا.. وتُنتهك حرمة بيوتهن.. وعندما يسيل دمهن الظالم.. هنا يتغير كل شيء.
نظر إلى سيف مباشرة، وقال بحدة هادئة
أنت قلت إن عمك من أكبر المستشارين والقيادات في البلد؟ حسناً.. اتصل به الآن.. أخبِره بوجودي هنا.. وأخبِره بما فعلتموه.. انا انتظر.
سيف تبلع ريقه بصعوبة، وخرج هاتفه المحمول بيدين ترتعشان، واتصل بعمه، وبعد دقائق من الصمت والانتظار، بدأ سيف يتحدث بصوت متقطع، يشرح الموقف، لكنه لم يلبث أن انحدر لونه وتحول إلى لون أصفر باهت، وسقط الهاتف من يده مرة أخرى، هذه المرة على السجادة، دون أن يصدر صوتاً.
قال لك ماذا؟ سأل عمي سيد ببطء.
قال.. قال لي.. إنه لا يعرفك.. ولا يريد أن يتدخل في أمورك.. و.. وطلب مني أن أعتذر إليك بكل لطف.. و.. وقال إنه سيتنحى عن منصبه مؤقتاً حتى تنتهي المشكلة.. و.. وإنني سأتحمل المسؤولية كاملة بمفردي.. قال سيف بصوت بالكاد يُسمع، وعيناه تملآن بالدمع والذعر الحقيقي لأول مرة.
ميرهان وقفت كأنها تحولت إلى حجر، لا حراك بها، فكل أسلحتها التي كانت تفتخر بها وتتباهى بها قد تحطمت في لحظة، وأصبحت هي وابنها وحيدين في مواجهة جبروت لم تتخيله قط.
عند هذه اللحظة، سمعنا صوت صفارة سيارة الإسعاف تقترب من بعيد، ثم توقفت أسفل العمارة. رفع عمي سيد رأسه وقال للرجلين معه
أخرجوها بحذر.. وتأكدوا من وصولها إلى المستشفى بأقصى سرعة.. وليكون معها أفضل الأطباء فوراً.. لا أريد أي تأخير..
حملوني الرجلان بكل رفق وحذر، ونزلوا بي السلالم، وشعرت بنسيم المساء البارد يلامس وجهي، ورأيت الناس يخرجون من محلاتهم ومن بيوتهم ينظرون بدهشة لهذا المشهد المهيب، بينما ركبت سيارة الإسعاف، وانطلقت بي إلى المستشفى، وعمي سيد ينظر إليّ من النافذة قبل أن تنطلق سيارته، وكأنه يطمئنني بنظرة واحدة أن كل شيء سيكون على ما يرام.
بينما في الشقة، لم يبقَ سوى سيف وميرهان، والصمت الثقيل يلف المكان، ولم يعد هناك من يتبجح أو ېهدد أو يسيطر. انتهى عصرهم

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *