اتجوزت على مراتى
فاتح، وحطت شالها على كتفها، ووقفت قدام المراية. قالت شكلي اتغير أوي، صح؟ وقفت وراها، وبصيت في المراية. إنتِ لسه سحر اللي عرفتها. ابتسمت بحزن. حتى من غير شعري؟ حسيت إن قلبي اتقبض، لكني رديت بصدق حتى من غير شعرك، وحتى لو جسمك اتغير، وحتى لو الأيام خدت مننا حاجات كتير. إنتِ مش شعرك ولا شكلك، إنتِ الإنسانة اللي كانت بتخليني أحس إن البيت بيت. سحر سكتت، وبعدها مدت إيدها لي. يلا بينا. نزلنا، وركبت جنبي في العربية اللي استأجرتها بدل عربيتي القديمة، ووصلنا للكورنيش في وقت كانت الشمس فيه بتغيب. قعدنا على مقعد بعيد عن الزحمة، وجبت لها عصيرًا، وفضلنا نبص للمية. بعد شوية، قالت فاكر أول مرة خرجنا فيها هنا؟ ضحكت. أيوه، كنتِ مصممة تاكلي درة، ولما البياع قال لك بخمستاشر جنيه، قعدتي تفاصلي معاه لحد ما خلصتيها بعشرة. ضحكت سحر من قلبها، وكانت ضحكتها بالنسبة لي أغلى من أي حاجة. قالت إنت اللي كنت بتضحك عليا وتقولي إني بخيلة. كنتِ بتفاصلي على كل حاجة! أهو كنت بحافظ على فلوسنا. سكتنا شوية، وبعدها قالت مصطفى، أنا عايزة أقول لك حاجة، ومش عايزاك تقاطعني. بصيت لها. حاضر. قالت أنا مش عارفة المړض هياخدني لفين، ومش عارفة هقدر أتعالج قد إيه. بس أنا عايزة أعيش اللي باقي من عمري من غير ما أحس إن كل يوم لازم يبقى معركة. هزيت راسي. وأنا معاكي. قالت مش معنى كده إنك لازم تكون معايا كل دقيقة، ولا إنك توقف حياتك. أنا عايزاك تعيش، وتربي ابنك، وتشتغل، وتضحك. بس لما تيجي لي، تعالى عشان إنت عايز تكون هنا، مش عشان خاېف من ذنبك. مسكت إيدها وقلت أنا بقيت عايز أكون هنا، يا سحر. مش عشان ذنب، ولا عشان أستنى منك مسامحة. عشان وجودك بقى حاجة أنا مقدرها، وعايز أحافظ عليها طول ما ربنا كاتب لنا وقت. بصت لي، ودموعها لمعت في عينيها. أنا مصدقاك أكتر من الأول، بس لسه محتاجة وقت. ابتسمت. خدي كل الوقت اللي تحتاجيه. رجعنا البيت، ومن اليوم ده بدأت سحر تتكلم أكتر عن الحاجات اللي نفسها تعملها. كانت عايزة تقابل صاحبتها القديمة منى، اللي انقطعت عنها بعد المړض، وعايزة تشتري شوية كتب كانت نفسها تقراها، وعايزة تساعد بنت صغيرة من الجيران كانت بتحلم تدخل كلية الطب لكن ظروف أهلها صعبة. كنت بسمع لها، وكل ما أقدر أساعدها، أعمل كده من غير ما أحسسها إنها عبء. وفي يوم، لقيتها قاعدة قدام دفتر كبير، وبتكتب فيه. سألتها بتكتبي إيه؟ قفلت الدفتر بسرعة وقالت سر. ضحكت. سر إيه ده؟ هو أنا بقيت غريب؟ قالت بابتسامة لأ، بس لما أخلص هتعرف. ما ضغطتش عليها. بعد أسابيع، طلبت مني أروح معاها لمكتب محامٍ. اټخضيت. محامي؟ ليه؟ قالت عايزة أرتب شوية أمور تخصني، وأكتب وصيتي بطريقة قانونية واضحة، وأحدد مين يتابع شؤوني لو احتجت مساعدة ومابقتش قادرة أتكلم. سكت لحظة، وبعدها قلت طيب، نروح للدكتور الأول ونتأكد إنك مرتاحة، وبعدين نختار محامي تثقي فيه، وكل حاجة هتتعمل بإرادتك. بصت لي بتقدير. عشان كده أنا طلبت منك تيجي معايا. رحنا لمحامية اسمها الأستاذة نهى، وكانت ست هادية وبتتكلم باحترام. شرحت لسحر حقوقها والخيارات القانونية المتاحة، وطلبت منها تتأكد إنها فاهمة كل بند، وإن القرارات طالعة منها من غير أي ضغط. وأنا كنت قاعد بعيد، لا بتدخل ولا بفرض رأيي. بعد ما خلصنا، سحر قالت لي كنت خاېفة تفتكر إني بعمل كده عشان أشك فيك. رديت دي حياتك وحقوقك، ومن حقك ترتبيها زي ما إنتِ شايفة. أنا مش جاي أتحكم فيكي، أنا جاي أساعدك لو طلبتي. ابتسمت. شكرًا يا مصطفى. ما سألتهاش عن تفاصيل الدفتر اللي كانت بتكتبه، ولا عن كل اللي قررت ترتبه، لأنني فهمت إن الحب الحقيقي مش معناه إني أعرف كل حاجة، لكنه معناه إني أحترم حقها في الاختيار. مرت شهور، وسحر كانت بتكمل علاجها ومتابعتها، وفيه أيام كانت بتقدر تتحرك وتضحك، وأيام كانت بتحتاج فيها راحة ومساعدة أكبر. وفي وسط كل ده، بدأت أرجع لحياتي بشكل متوازن. شغلي اتحسن لما رجعت أركز، وعلاقتي بيوسف بقت أقوى، وبقيت أشارك في تفاصيل حياته بدل ما أكتفي إني أدفع المصاريف. وفي عيد ميلاده التاني، عملت له حفلة صغيرة في بيت أمي، وجبت سحر بعد ما اتأكدنا إن صحتها تسمح وإن المكان مناسب ليها. كانت قاعدة على كرسي جنب الشباك، ويوسف بيلعب قدامها. لما شافها، جري عليها ومد لها لعبة عربية صغيرة. قالت له دي بتاعتك يا حبيبي؟ ضحك وهز راسه. قعدت تلعب معاه شوية، وبعدها بصت لي وقالت إنت بقيت أب أحسن. ابتسمت. كنت محتاج أتعلم. قالت أهم حاجة إنك تكمل. بعد الحفلة، وأنا بوصلها البيت، قالت لي مصطفى، أنا عايزة أشكرك. استغربت. على إيه؟ على إنك ما بقيتش بتحاول تشتري مسامحتي. بقيت بتساعدني من غير ما تستنى مني كلمة، وده فرق معايا. بصيت للطريق، وقلت أنا اللي المفروض أشكرك، لأنك رغم كل اللي حصل، علمتيني إني أكون أحسن. سكتت، وبعدها قالت أنا سامحتك على حاجات كتير، بس فيه ۏجع مش بيروح بسهولة. هزيت راسي. عارف، ومش هطلب منك تنسي. قالت وأنا مش عايزة أفضل شايلة الۏجع ده طول عمري. بصيت لها، وشفت في عينيها راحة ما شفتهاش من وقت طويل. بعد فترة، جالنا خبر إن نتائج الفحوصات أظهرت تحسنًا في بعض المؤشرات، وإن العلاج جايب استجابة جزئية تستحق الاستمرار والمتابعة، لكن الطبيب أكد إن ده مش معناه الشفاء التام، وإن الطريق لسه محتاج صبر. لما سمعت الكلام، سحر بكت من الفرحة، وأنا حضنتها من غير ما أقول أي وعود. قالت يعني لسه فيه فرصة؟ الدكتور رد فيه فرصة، وهنكمل الخطة المناسبة لحالتك، لكن لازم نفضل واقعيين ونلتزم بالمتابعة. خرجنا من العيادة، وسحر كانت ماسكة إيدي بقوة. قالت أنا مش عايزة أضيع يوم تاني في الزعل. ابتسمت. يبقى نعيش اليوم اللي إحنا فيه. لكن المفاجأة الأكبر ما كانتش في نتيجة الفحوصات. بعد كام يوم، وأنا بساعدها ترتب الكتب على الرف، طلعت الدفتر اللي كانت بتكتب فيه من شهور، وحطته قدامي. قالت افتحه. فتحته، ولقيت أول صفحة مكتوب فيها حاجات نفسي أعملها قبل ما أقول إني تعبت من الحياة. وتحت العنوان كانت كاتبة قائمة طويلة، فيها حاجات بسيطة، زي إنها تشوف النيل وقت الغروب، وتزور أمها، وتطبخ أكلة بتحبها، وفيه حاجات أكبر، زي إنها تساعد بنت الجيران تكمل تعليمها، وتعمل مشروع صغير يساند مرضى السړطان اللي ظروفهم صعبة. بصيت لها بإعجاب. إنتِ كنتِ بتخططي لكل ده؟ ابتسمت. كنت بحاول أفكر في حاجة غير المړض. قلبت الصفحات، لحد ما وصلت لصفحة فيها عنوان مختلف. رسالة لمصطفى. قلبي اتقبض. بصيت لها، فقالت اقراها. بدأت أقرأ. يا مصطفى، أنا مش عارفة