اتجوزت على مراتى

أحيانًا تحكي لي عن حاجات حصلت معاها في يومها، أو تسألني عن يوسف. في مرة، جبت يوسف معايا بعد ما اتأكدت إن حالتها تسمح بالزيارة وإن الطبيب موافق على الاحتياطات اللازمة. كان صغير ومش فاهم حاجة، لكنه أول ما شاف سحر، ابتسم لها ومد إيده. سحر بصت له بدهشة، وبعدها بدأت ټعيط. قلت لها بقلق مالك؟ وجعك حاجة؟ هزت راسها. لأ، أنا بس… أنا كان نفسي يبقى عندي طفل. قعدت جنبها وقلت أنا عارف، يا سحر. بصت ليوسف وهو بيلعب في صوابعه. هو جميل أوي يا مصطفى. قلت لها تحبي تشيليه؟ ترددت، وبعدها مدت إيديها بحذر، وشيلته على رجليها. يوسف مسك صباعها الصغير، وهي فضلت باصة له كأنها بتشوف حلمًا قديمًا قدامها. قالت بصوت مرتعش يا رب يحفظه لك. حسيت بالخجل من نفسي. هي رغم كل اللي عملته فيها، كانت بتدعي لابني. بعد الزيارة، وأنا بوصلها للسرير، قالت مصطفى، أنا مش عايزاك تبعد عن ابنك عشاني. قلت لها مش هبعد عنه، ولا هسيبك لو احتجتيني. هتعلم أعمل الاتنين من غير ما أظلم حد. ابتسمت ابتسامة صغيرة. أتمنى. لكن الحياة ما كانتش ناوية تسيبنا في هدوء طويل. بعد حوالي شهر، وأنا في الشغل، جالي اتصال من الممرضة اللي بتتابع سحر. قالت إن سحر تعبت فجأة، وإن عندها سخونية شديدة ودوخة، وإنهم اتصلوا بالإسعاف عشان ينقلوها للمستشفى. جريت من الشركة، ولما وصلت، لقيتها في الطوارئ. كانت واعية، لكن تعبانة جدًا. قربت منها وقلت أنا هنا يا سحر. بصت لي وقالت أنا تعبت يا مصطفى. مسكت إيدها. عارف يا حبيبتي، بس إحنا هنتعامل مع اللي بيحصل خطوة بخطوة. دخل الدكتور، وطلب تحاليل وفحوصات عاجلة، وبعد شوية قال إن عندها مضاعفات محتاجة علاجًا ومراقبة دقيقة. فضلت جنبها طول الليل، ولما نامت، خرجت أقعد بره. لقيت أمي مستنياني، كانت جاية من غير ما تقول لي. قعدت جنبي وقالت إنت بقالك فترة ما بتنامش. ابتسمت بتعب. مش مهم يا أمي. قالت مهم، عشان لو وقعت إنت كمان، مش هتعرف تساعد حد. بصيت لها وقلت أنا خاېف عليها. أمي حطت إيدها على كتفي. الخۏف مش هيغير اللي ربنا كاتبه، بس وجودك جنبها ممكن يخفف عنها. اعمل اللي عليك، وما تحملش نفسك مسؤولية مش في إيدك. فضلت ساكت، وبعدها قلت أنا كنت أناني أوي يا أمي. ردت بهدوء كنت ضعيف وخفت، فاخترت أسهل طريق. المهم دلوقتي إنك ما تكررّش نفس الغلط. في الصبح، حالتها بدأت تستقر، لكن الدكتور طلب إنها تفضل تحت الملاحظة. وفي نفس اليوم، وصلت نادين المستشفى. أول ما شفتها، اتفاجئت. إنتِ جيتي ليه؟ قالت يوسف مع أمي، وأنا عرفت من والدتك إن سحر تعبت. بصيت لها باستغراب. شكرًا إنك جيتي. قربت من باب الغرفة، لكنها ما دخلتش. قالت بصوت منخفض أنا مش جاية أطلب منك ترجع البيت، ولا جاية أعمل مشكلة. سكتت لحظة، وبعدها كملت أنا فكرت في كلامك، وفكرت في اللي حصل. أنا كنت خاېفة أخسرك، فبدل ما أكون جنبك، بقيت بحاربك. بصيت لها، وماعرفتش أقول إيه. قالت أنا مش هقول لك إني بقيت ملاك، ولا إني هقدر أتقبل كل حاجة بسهولة. بس أنا فهمت إنك مش لازم تكره سحر عشان تحبني. كانت أول مرة أسمع منها الكلام ده. قلت لها وأنا لازم أكون واضح معاكي. مش هقدر أوعدك إن علاقتنا هترجع زي الأول. هزت راسها. أنا عارفة. أنا عايزة بس نعرف نتعامل باحترام، خصوصًا عشان يوسف. مدت لي إيدها، فصافحتها. كان ده أول اتفاق هادي بينا من شهور. بعد يومين، خرجت سحر من المستشفى، لكن التعب كان واضح عليها. وفي مساء هادي، كنت قاعد جنبها في البلكونة، وهي لابسة شال صوف، وبتبص للشارع. قالت فجأة مصطفى، أنا عايزة أطلب منك طلب. اتفضلي. لو في يوم تعبت أكتر، أو بقيت مش قادرة أتكلم، ماتخليش حد يقرر عني من غير ما يسمعني وأنا لسه قادرة أقول رأيي. بصيت لها بقلق. إنتِ بتقولي الكلام ده ليه؟ قالت بهدوء عشان أنا عايزة أفضل صاحبة قراري. مش عايزة المړض ياخد مني كل حاجة. مسكت إيدها وقلت حقك، وأنا هحترم رغبتك، وهنتكلم مع الدكتور عن كل الخيارات، وإنتِ هتكوني جزء من كل قرار. ابتسمت. شكرًا. وبعد لحظة، قالت وفيه حاجة تانية. قولي. عايزاك تبطل تعاقب نفسك. استغربت. أعاقب نفسي؟ أيوه. إنت بقالك فترة بتبص لنفسك كأنك أسوأ إنسان في الدنيا. أنا مش محتاجة أشوفك محطم، أنا محتاجة أشوفك إنسان بيتعلم من غلطه. حسيت بدموعي بتتجمع. مش عارف أسامح نفسي يا سحر. بصت لي وقالت مش لازم تسامح نفسك النهارده. بس لازم تعمل حاجة كويسة كل يوم، حتى لو صغيرة. ومع الوقت، يمكن تعرف تعيش من غير ما تفضل حابس نفسك في اللي فات. الكلام ده فضل جوايا. بدأت أرتب حياتي من جديد، وأقلل مصاريفي، وأسدد ديوني واحدة واحدة، وأقسم وقتي بين شغلي وابني ومتابعة سحر. كنت بروح ليوسف كل يوم تقريبًا، وأخده يتمشى، وأقعد ألعب معاه، وأحاول أعوضه عن الأيام اللي كنت غايب فيها. أما علاقتي بنادين، فبعد محاولات كتير للكلام، اكتشفنا إننا دخلنا الجواز وإحنا كل واحد فينا بيدور على حاجة مختلفة. هي كانت عايزة حياة مستقرة من غير تعقيدات، وأنا كنت بدور على مهرب من حزني وخۏفي. قررنا ننفصل بهدوء، ونتفق على حقوق كل طرف، وعلى إن يوسف يفضل بعيد عن أي خلاف. ماكانش القرار سهل، ونادين عيطت، وأنا كمان اتوجعت، لكننا اتفقنا إن مصلحة ابننا أهم من إننا نكمل في علاقة بقت مليانة ڠضب وعتاب. وقبل ما تمشي من البيت، قالت لي أتمنى تكون اتعلمت ما تدخلش حد حياتك عشان تهرب من حد تاني. بصيت لها وقلت عندك حق، وأنا آسف على كل مرة حسستك فيها إنك مجرد وسيلة أهرب بيها من ۏجعي. هزت راسها، وخدت يوسف ومشيت، واتفقنا على مواعيد ثابتة أشوفه فيها، وأفضل مسؤول عن كل احتياجاته. كنت عارف إن انفصالي عن نادين مش معناه إن حياتي بقت سهلة، لكنه كان بداية إن كل واحد فينا يعيش بوضوح بدل ما يفضل يعاقب التاني. أما سحر، فكانت حالتها بتتحسن أحيانًا وتتراجع أحيانًا تانية، والعلاج كان مستمرًا، والأطباء بيتابعوا كل تطور من غير ما يدونا وعود مضمونة. في يوم من الأيام، صحيت على صوتها وهي بتناديني من أوضتها. دخلت بسرعة. خير يا سحر؟ حاسة بإيه؟ ابتسمت وقالت عايزة أخرج شوية. استغربت. نخرج فين؟ عايزة أروح على النيل. فضلت باصلها، وبعدين ضحكت. إنتِ بتهزري؟ ده أنا بقالي شهور بقول لك لازم ترتاحي. ردت بعناد خفيف مش هروح أجري ماراثون، يا مصطفى. عايزة أشوف النيل، وأشرب عصير، وأرجع. اتكلمنا مع الطبيب، وبعد ما وافق على خروج قصير مع الاحتياطات المناسبة، جهزنا نفسنا. لبست سحر فستانًا واسعًا لونه أزرق

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *