أرملة اخو جوزى٢

أميرة هزت رأسها بالوافقة وهي بتبكي ومش قادرة ترد، كرامتها اللي كانت بتبني فيها بالافتراء أتدكت في لحظة تحت رجليها. بصت لسعاد وقالت بصوت متقطع:

“سامحيني يا سعاد.. عشان خاطر العيال اليتامى وعشان خاطر المرحوم.”

سعاد بصت لها بنظرة طويلة.. نظرة فيها وجع السنين والكسرة، بس كان فيها كمان سامح القوي اللي أخد حقه. اتنهدت سعاد وقالت:

“الله يسامحك يا أميرة.. المسامح ربنا، بس الدرس ده ما تنسيهوش. العيال اليتامى دول مالهمش غير ربنا وعمهم، والقرش اللي يدخل بيتك ومفيهوش بركة دعوة غلبان، بيتحرق ويحرق صاحبه.”

خرجت أميرة من البيت جارية على السلم كأنها هربانة من فضيحة، وسابت الفلوس على الترابيزة.

سعاد بصت للورقيات المالية، وبعدين بصت للحاجة فاطمة، وقالت بابتسامة مكسورة:

“أنا مش عاوزة ده كله يا حاجة.. أنا كنت عاوزة كر أمتي بس.”

الحاجة فاطمة مسكت إيد سعاد وضمتها:

“وده حقك يا بتي.. خدي فلوسك، وروحي لعيالك، وانزلي هاتي لهم كل اللي نفسهم فيه. حسين اتصل بالبنك وبيحول لك ماهية شهرية ثابتة باسمك أنتِ، من بكرة الصبح تنزلي تسحبيها مرفوعة الرأس.”

رجعت سعاد شقتها القديمة في الحارة.. الشقة اللي كانت دايماً ضلمة وساكتة. فتحت الباب لقت عيالها الصغار، “أحمد” و”منى”، قاعدين على الأرض بيلعبوا بِلَعَب قديمة ومكسرة، وعلى وشهم أثر الفقر والانتظار.

أول ما شافوها، أحمد قام يجري عليها:

“أمي! جيتي؟ جبتي لنا أكل يا أمي؟”

سعاد اترمت على الأرض وضمتهم هما الاثنين في حضنها، وبكت.. بس المرة دي كانت دموع فرح وأمل. باست رؤوسهم وقالت:

“جبت لكم كل خير يا عيالي.. حقكم جيلكم لحد عندكم، وأبوكم الله يرحمه نام مرتاح النهاردة.”

عدت الأيام، والحال اتغير تماماً. التحويل الشهري من حسين بقى يوصل لسعاد في ميعاده كل أول شهر. قدرت تسدد ديونها القديمة، تشتري للعيال هدوم جديدة للمدرسة، وتملى البيت أكل وخير. وأميرة فوق، بقت تنزل السلم وهي حاطة رأسها في الأرض، كل ما تشوف سعاد تتمنالها الرضا وتتحاشى تتكلم معاها إلا بأدب وشديد الاحترام.

بس الهدوء ده ما طولش..

بعد ست شهور، وفي يوم جمعة، يرن تليفون سعاد.. كان رقم حسين من السعودية.

ردت سعاد بسرعة:

“أهلاً يا حسين يا أخويا.. عامل إيه وصحتك إيه؟”

صوت حسين جيلها المرة دي مش غضبان، بس كان فيه نبرة تعب وإرهاق شديد، نبرة واحد شايل حمول جبال على ضهره:

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *