يوم طلاقى
تبرير فعلتها دون جدوى، حتى اختفيا تمامًا من المبنى.
الټفت عمر إليّ، واختفت كل علامات الصرامة والشدة العسكرية من ملامحه، لتعود تلك السکينة الدافئة التي عرفتها به منذ سنوات. انحنى قليلًا ليمسك بيدي ويساعدني على النزول عبر الدرج الخارجي، وقال بصوت دافئ يملأ القلب طمأنينة
آسف إني اتأخرت عليكي خمس سنين يا سلمى. كان لازم أرجع من المهمات الحدودية أسرع من كده، بس كان عندي يقين إن ربنا هيجمعنا في الوقت الصح.. لما كل الأقنعة تسقط وكل حق يرجع لأصحابه.
نظرتُ إلى السماء الصافية وإلى شمس العصر الدافئة التي بدأت تملأ الأفق، وشعرتُ بأن أنفاسي تعود إلى صدري نقية لأول مرة. أخرجتُ الميدالية الفضية، ونظرتُ إلى عمر بابتسامة صادقة وقلت
إنت متأخرتش يا عمر. إنت جيت في اللحظة اللي كنت محتاجة فيها أعرف إن كل صبر مبيضعش هدر، وإن الكرامة أهم من أي محاولة للبقاء في مكان مبيقدّرناش.
أمسك عمر بالميدالية ووضعها في مكانها داخل جيبي، وقال بحزم وصدق
والنهاردة، مش هتمشي على رجلك لوحدك أبدًا. إحنا هنطلع على المستشفى نطمن على رجلك الأول، وبعد ما تخلص أيام العدة المقررة بشرع الله، هكتب كتابي عليكي في أكبر قاعة في البلد، وقدام الجيش كله.. لأن الجوهرة اللي زي سلمى، مكانها مش في الظل، مكانها في النور اللي يليق بيها.
ركبنا السيارة معًا، وانطلقت بنا بعيدًا عن مقر القيادة، تاركة خلفنا حطام الماضي وأوهام رجل ظن أن النجوم على كتفيه تكفي لتعويض غياب الرجولة والإنصاف. كانت السيارة تنهب الطريق نحو غدٍ جديد، غدٍ مفعم بالوفاء والصدق والاحترام، وبداية قصة كانت تنتظر أن تُكتب بمداد من نور وكرامة لا تنكسر.