يوم طلاقى

صغيرة بيده، وبدا وكأنه يمسح الأرجاء بذكاء أمني حاد حتى التقت عينانا.
لم يتردد لحظة. قطع المسافة بيننا بخطوات واثقة، وعيناه ترتسم فيهما دهشة ممزوجة بلهفة هادئة ووقار بالغ. وحين وصل أمامي، لم ينطق بكلمة عتاب عن جهاز النداء، بل هبط بصره فورًا إلى كاحلي المربوط ووقفتي المتعثرة. انقبضت أساريره في ڠضب مكتوم، ثم رفع عينيه إليّ وقال بصوت عميق يحمل أمانًا افتقدته لدهور
سلمى.. إيه اللي جرالك؟ ومين اللي اتجرأ يوصلك للحالة دي؟
ابتسمتُ بوهن وقلت وأنا أمد يدي بالميدالية
حمد لله على سلامتك يا عمر. الميدالية لسه سليمة.. بس تليفوني هو اللي اتكسر.
أخذ الميدالية، لا ليحتفظ بها، بل ضمھا في كفي وأطبق أصابعه الدافئة حول يدي بحزم واحترام شديد، وقال بلهجة لم أعهد مثلها
الميدالية رجعت لصاحبتها من خمس سنين، ومش هتسيب إيدك تاني. ودلوقتي.. وقت إنك تسندي ضهرك اللي شال كتير. أنا جيت علشان كل حاجة تترد في نصابها الصحيح.
سألته بصوت خاڤت
بس إحنا لازم نروح مبنى المحكمة العسكرية ومصلحة التوثيق الأول.. أحمد مستني هناك عشان ننهي إجراءات الطلاق، هو مش هيسيبني في حالي لو اتأخرت.
تغيرت نظرة عمر، واكتست بابتسامة غامضة وثابتة كالصخر
أحمد الكيلاني؟ متقلقيش.. هو فعلًا هناك ومستني، بس اللي هو ميعرفوش، إن الميعاد اللي محددينه مش مجرد ورقة طلاق هتتمضي.. ده ميعاد حساب اتأجل أكتر من اللازم.
أشار عمر إلى سيارة سوداء فارهة كانت تقف خارج المحطة، فترجل منها سائق عسكري برتبة مساعد أول، وقف وأدى التحية العسكرية لعمر بأعلى درجات الانضباط. فتح السائق الباب الخلفي، وساعدني عمر على الصعود برقة بالغة وحذر، بينما كنت أنظر إليه بدهشة متزايدة
عمر.. إنت رتبتك إيه دلوقتي؟ وإيه اللي جابك هنا بالظبط؟
نظر إليّ وهو يغلق الباب ويجلس بجواري، وقال بهدوء
اللواء أركان حرب عمر الشافعي.. المفتش العام المنتدب من الأمانة العامة. وأحمد الكيلاني النهاردة مش هيقابل مجرد طليق مراته.. هو هيقابل قائده المباشر اللي جه يفتش على كل ملف اتقفل بالباطل.
الجزء الثاني في عرين القانون ومواجهة الأوهام
كانت قاعة مكتب التوثيق الخاص بالضباط والقادة في مقر القيادة الشمالية تغلي بهدوء مصطنع. جلس أحمد الكيلاني خلف طاولة جانبية، واضعًا ساقًا فوق ساق، وممسكًا بفنجان قهوته، وبجواره جلست نادين متأنقة، تبدي نظرات القلق المصطنعة والحرص الزائف، بينما الزي العسكري الفاخر ملقى بإهمال على مقعد مجاور، والقطع في كمه ظاهر للعيان.
كان أحمد ينظر في ساعته بضيق ونفاد صبر، متمتمًا بكلمات قاسېة
دايمًا كده، مستهترة ومعندهاش أي احترام للمواعيد. حتى في اليوم اللي هتخرج فيه من حياتي، لازم تثبت إنها غير مسؤولة وتضيع وقتي ووقتك يا نادين.
ردت نادين بصوت ناعم يحمل خبثًا متواريًا
معلش يا أحمد، التمسلها العذر. يمكن مكسوفة تيجي بعد اللي عملته في البدلة، أو يمكن مش قادرة تستوعب إنك خلاص هترجع للشخص اللي كان بيستناك بإخلاص طول السنين دي. أنا مش زعلانة عشان البدلة باظت، المهم إنك مرتاح والتوتر ده ينتهي.
رفع أحمد رأسه بفخر أجوف وقال
مرتاح طبعًا. أنا ضيعت تلات سنين في جوازة كانت مجرد غلطة عشان أرضي والدي الله يرحمه وأسدد دين قديم لأهلها، لكن خلاص.. رتبتي الجديدة والترقية اللي مستني أستلمها الأسبوع ده كقائد للمنطقة مش محتاجة غير ست تقدر مكانتي، مش واحدة تصرفاتها كلها بتصغرني قدام الناس.
في تلك اللحظة، فُتح الباب الخشبي الضخم للمقر، وساد الصمت فجأة بين الحراس والضباط الصغار الذين كانوا في الرواق الخارجي. سمع أحمد

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *