يوم طلاقى
صوت وقع أقدام ثقيلة ومتقاربة، يعقبها صوت ضربات أحذية الجنود بالأرض في تحية عسكرية حادة تعظيم سلام يا فندم!.
عقد أحمد حاجبيه باستغراب؛ لم يكن هناك أي موعد لزيارة تفتيشية في هذا اليوم، وكل القادة الحاضرين في المقر كانوا إما من دفعته أو أدنى منه رتبة. الټفت نحو الباب بملامح متجهمة ليرى من هذا الذي يستحق تحية الحرس بهذا الشكل، لكن المفاجأة شلّت حركته تمامًا.
دخلتُ أنا أولًا، أتكئ بخفة على عكاز طبي أنيق قدمه لي السائق، وبجواري كان يسير عمر الشافعي. لم يكن عمر الآن يرتدي البدلة المدنية؛ بل كان يرتدي بدلته العسكرية الكاملة، برتبة لواء أركان حرب، وتتلألأ على صدره أرفع الأنواط وأوسمة الشجاعة العسكرية، وتتقدمه هيبة صارمة أخرست كل همسة في القاعة.
انتفض أحمد واقفًا بشكل لا إرادي تحت تأثير الانضباط العسكري، لكن عينيه جحظتا في ذهول وهو ينظر إليّ أولًا، ثم إلى عمر، ثم إلى النجوم والنسر والسيوف المتقاطعة على كتفي الرجل الذي يقف بجانبي. تجمد فنجان القهوة في يده قبل أن يضعه بارتباك على الطاولة ويسكب بعضه دون أن يدري.
س.. سيادة اللواء عمر؟ تمتم أحمد بصوت متحشرج، وهو يحاول جمع شتات نفسه.
وقف عمر على بعد خطوات منه، ولم يرد التحية العسكرية بابتسامة، بل بنظرة باردة نافذة جعلت أحمد يشعر وكأنه جندي مستجد يرتكب خطيئة في طابور التفتيش. نظر عمر إلى الأوراق الموضوعة على المكتب، ثم الټفت إلى أحمد وقال بنبرة تقطر هيبة
اللواء أحمد الكيلاني.. كنت متوقع إن انضباطك في المواعيد العسكرية ينعكس على تعاملاتك الإنسانية والمدنية، لكن يظهر إن التقارير اللي وصلت للأمانة العامة عن التجاوزات وسوء التقدير مكنتش مبالغ فيها أبداً.
تلعثمت نادين في جلستها، وانكمشت في مقعدها وهي ترى هيبة الرجل التي غطت تمامًا على أحمد وغروره. حاول أحمد التماسك، وبلع ريقه وقال
سيادتك.. أنا هنا في أمر شخصي تمامًا.. إجراءات توثيق انفصال عن المدام.. قصدي الدكتورة سلمى. وجود سيادتك هنا شرف لينا، بس مفهمتش سر علاقة الأمانة العامة بالموضوع؟
خطا عمر خطوة للأمام، وأشار بيده إلى الميدالية التي كنت أحملها، ثم وجه نظره مباشرة إلى الزي المقطوع الملقى بجانب نادين
الأمر الشخصي بينتهي لما تبدأ تستغل منصبك، وتستخدم عربيات الخدمة في مشاوير خاصة، وتسيب دكتورة عسكرية بتخدم وطنها وبتنقذ أرواح في المستشفى العسكري مرمية في الشارع برجل متورمة، لمجرد إنك تنفذ رغبات شخصية تافهة!
احتقن وجه أحمد بحمرة الخجل والڠضب المكبوت، وقال محاولًا الدفاع عن نفسه بنبرة مرتجفة
يا فندم، هي اللي اعترفت إنها أتلفت الزي العسكري ده بدافع الغيرة! ده قماش استيراد مخصص للرتب الخاصة، وأنا اللي جايبه، وهي قطعته عشان متديهوش لنادين.. هي اللي أهانت انضباطنا!
هنا، تقدمتُ أنا بخطوة، ونظرتُ في عيني أحمد بكل شجاعة، ووضعتُ ملفًا بلاستيكيًا صغيرًا فوق الطاولة؛ ملفًا كنتُ احتفظتُ به منذ اليوم الأول لزواجنا.
قلتُ بصوت هادئ، واضح، وثابت أمام الجميع
القماش ده مش إنت اللي جايبه يا أحمد. القماش ده، والبدل دي كلها، كانت إهداء وتكريم رسمي من قيادة الخدمات الطبية العسكرية ليا أنا، بمناسبة الجراحة الميدانية اللي اتعملت في عملية الفجر من خمس سنين، واللي أنقذت حياة فريق كامل من الاستطلاع. الفواتير والخطابات الرسمية باسمي أنا في الملف ده، مسجلة برقم قيد معتمد. أنا محتجتش نفوذك في يوم من الأيام عشان أكبر.. إنت اللي بنيت مكانتك على تضحيات وسهر ناس تانية، واعتبرت إن وجودي جنبك ضعف وهيخليني أرضى