يوم طلاقى

الجزء الأول رماد الماضي ورنين المحطة
سحبتُ قدمي المتورمة على الإسفلت الساخن خطوة وراء خطوة، وصوت محرك سيارة الجيب العسكرية يبتعد رويدًا رويدًا حتى تلاشى تمامًا وسط ضجيج المدينة، تاركًا خلفه سحابة من الغبار وذكرى ثلاث سنوات من العيش في الظل. لم تنزل من عيني دمعة واحدة؛ فالدموع تجف حين يصبح الألم روتينًا يوميًا وحين يستقر اليقين في القلب بأن النهاية قد حانت أخيرًا. كان كاحلي يشتعل نبضًا حارقًا مع كل وطأة قدم، لكن ثقل الروح كان قد خفّ للمرة الأولى منذ زمن بعيد.
تحسستُ جيبي، فأخرجت الميدالية الفضية المستديرة. لم تكن مجرد قطعة معدن عادية، بل وسام شرف استثنائي محفور على ظهره رقم عسكري محدد، يعلوه نقش نسر باسط جناحيه. تذكرتُ ذلك اليوم البعيد، قبل خمس سنوات، حين كنتُ طبيبة جراحة شابة ملحقة بإحدى النقاط الطبية الميدانية في أقصى الحدود الغربية. كان المستشفى الميداني يتعرض لقصف وانفجارات متتالية إثر هجوم إرهابي غادر، وبينما الجميع يترنح، دخل نقيب شاب من قوات العمليات الخاصة، مصابًا بشظية غائرة قرب شريانه، يحمل على كتفيه رفيقين مصابين كاد يفقدهما.
كان ذلك الشاب

هو عمر الشافعي. عيناه يومها، برغم الډماء والبارود، كانتا تشعان ثباتًا وسکينة عجيبة. أجريتُ له جراحة استثنائية تحت ضوء الكشافات اليدوية، وأوقفت الڼزيف بأعجوبة. وقبل أن يُنقل بطائرة الإخلاء الطبي، نزع من بدلته الممزقة ميداليته التقديرية الأولى التي تسلمها في بداية خدمته، ووضعها في يدي قائلًا بصوت واهن لكنه راسخ كالرواسي الناس بتفتكر إن اللي شايل سلاح هو بس اللي بيحمي البلد، بس إنتِ حمتي روحي يا سلمى.. دي أمانتك، لحد ما أرجع أطلبها بإيدي.
لكن الأقدار فرقت بيننا لسنوات؛ دخلتُ بعدها في دوامة زواجي من أحمد الكيلاني بضغط عائلي بحت، رغبة من والدي الراحل في أن أكون في كنف رجل يحميني. أحمد، الذي كانت رتبته تتصاعد، كان يرى الزواج بروتوكولًا اجتماعيًا لا أكثر؛ زوجة من عائلة كريمة تخدم واجهته الاجتماعية، بينما كان قلبه وروحه ووفاؤه معلقين بابنة عمه نادين التي رفضت الزواج منه في بداياته حين كان ضابطًا صغيرًا، ثم عادت لتتودد إليه وتطالبه بالتعويض بعدما لمع نجمه وصار لواءً ذا هيبة ونفوذ. كانت نادين هي الغاية التي يُضحي من أجلها بكل شيء، وكنتُ أنا مجرد جدار يعلق عليه
واجباته وأعباءه، حتى صرتُ في عينيه متهمة بالتقصير حتى يثبت العكس.
عرجتُ حتى وصلتُ إلى كشك هاتف عمومي قرب ميدان المحطة. أخرجتُ عملة معدنية ورفعت السماعة وأنا أنظر إلى حطام جهاز النداء الصغير في حقيبتي؛ تمنيتُ لو أنني حفظت رقم وحدته الجديدة، لكنني كنت أعلم موعد وصول قطاره الثانية بعد الظهر. نظرتُ إلى ساعتي، كانت تشير إلى الواحدة والربع.
جلستُ على مقعد خشبي متهالك في حديقة المحطة، أربط كاحلي بوشاح حريري خفيف كان في حقيبتي لأقلل من حدة التورم. مر الوقت ببطء شديد، حتى شق صفير القطار القادم من العاصمة أجواء المحطة، معلنًا دخوله الرصيف رقم أربعة.
تدافع الناس، أمهات يحملن أطفالهن، وجنود عائدون في إجازات قصيرة، وباعة جائلون. وقفتُ بصعوبة مستندة إلى عمود حديدي، أفتش بين الوجوه بقلب يخفق بشدة غير مألوفة. وفجأة، خفت الضجيج في عيني وكأن العالم توقف.
كان يترجل من عربة القطار الأولى بهدوء وشموخ؛ قامة فارعة، يرتدي بدلة مدنية أنيقة بدرجات الرمادي الداكن، ملامحه أصبحت أكثر نضجًا وصرامة، لكن تلك النظرة الصافية في عينيه لم تتغير أبدًا. لم يكن يحمل حقائب كثيرة، مجرد حقيبة
جلدية

1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *