ربيت إبن سلفتى١
“أنا ربيت ابن سلفتي من يوم ما اتولد، بعد ما أمه ماتت وهي بتولده، وجوزي الله يرحمه رباه معايا، والولد من صغره بيناديني يا ماما، وعمره ما عاش مع أبوه الحقيقي ولا مراته، وما كانش ليهم دور في تربيته… لكن يوم ما بقى دكتور وعريس، مرات أبوه بصتلي في عيني وقالتلي: إنتي لا أمه ولا هتكوني أمه، وأبوه وقف معاها وقاللي إحنا خلاص مش محتاجينك!”
أنا ست عندي 54 سنة، عمري ما ربنا رزقني بالخلفة، واتجوزت راجل كان طيب وأصيل، وعشت معاه سنين حلوة رغم إن ظروفنا كانت على قدنا.
أبويا الله يرحمه كان جايبلي الشقة اللي أنا عايشة فيها هدية جوازي، ولما جوزي مات، ما بقاش ليا في الدنيا غير ذكرياتي معاه، وابن سلفتي اللي ربيته من يوم ما اتولد.
أمه ماتت وهي بتولده، وأبوه وقتها ما كانش مستعد يشيل مسؤولية طفل، خصوصًا إنه اتجوز بعدها بفترة قصيرة من واحدة عندها طفلين، وكانت من أول يوم رافضة وجود الولد في حياتها.
أنا اللي أخدته في حضني، وأنا اللي كنت بصحى بالليل على عياطه، وأنا اللي كنت بجري بيه على الدكاترة، ولو سخن نص درجة كنت أفضل قاعدة جنبه طول الليل.
ولما بدأ يتكلم، أول كلمة قالهالي كانت: ماما.
الكلمة دي لوحدها كانت بتخليني أحس إن ربنا عوضني عن كل حاجة اتحرمت منها.
كبر الولد، ودخل المدرسة، وكنت بذاكر له وأقف جنبه في كل امتحان، ولما نجح في الثانوية العامة وجاب مجموع كبير، فضل يلف حواليا في الشقة ويقولي:
ـ ماما، أنا نفسي أبقى دكتور وأعوضك عن كل التعب اللي تعبتيه معايا.
كنت أضحك وأقوله:
ـ يا حبيبي، أنا مش عايزة منك حاجة، أنا عايزاك تبقى راجل محترم، وتبقى مبسوط في حياتك، وربنا يرزقك ببنت الحلال اللي تصونك وتصون قلبك.
وكان كل ما أبوه يتصل بيه أو يطلب يشوفه، كنت أقوله:
ـ روح يا ابني، ده أبوك، ومهما حصل ما تقطعش صلتك بيه.
وكان يرد عليا:
ـ حاضر يا ماما، بس إنتي عارفة إني ماليش غيرك.
وأنا كنت أغير الموضوع عشان ما أحسسوش إنه محروم من أبوه.
عدت السنين، والولد دخل كلية الطب، واتخرج، واشتغل، وكنت كل ما أشوفه لابس البالطو الأبيض أحس إن جوزي الله يرحمه واقف جنبي وبيقولي: تعبنا ما راحش على الفاضي.
لحد ما جه اليوم اللي دخل عليا فيه البيت وهو فرحان بطريقة عمري ما شوفتها عليه قبل كده.
فتح الباب ونادى بصوت عالي:
ـ يا مامااااا!
خرجت من المطبخ وأنا بضحك:
ـ في إيه يا ابني؟ إنت جايب معاك خبر حلو ولا إيه؟
جري عليا وباس راسي وقال:
ـ أنا بحب واحدة يا ماما!
ضحكت وقلتله:
ـ يا خبر أبيض! هو الدكتور الكبير وقع في الحب؟ طب وماله يا سيدي، احكيلي بقى.
قعد جنبي وبدأ يحكيلي عن زميلته في الشغل، وإنها بنت محترمة وهادية، وإنه بقاله فترة بيفكر يتقدم لها، لكنه كان مستني يطمن إن مشاعره ناحيتها جد.
قلتله وأنا ماسكة إيده:
ـ وأنا موافقة يا حبيبي، واللي تختارها هتبقى بنتي، وهفرح بيك فرحة عمري ما فرحتها.
بصلي وقال:
ـ بس أنا عندي شرط.
قلتله:
ـ شرط إيه يا سيدي؟
قال وهو بيضحك:
ـ إنك إنتي اللي تيجي تخطبيلي، وإنتي اللي تختاريلي الدبلة والخاتم، وإنتي اللي تجهزيني. أنا عايز يوم فرحي أفضل شايفك جنبي من أول خطوة لآخر خطوة.
دموعي نزلت من غير ما أحس، وقلتله: