لمدة ١٢ عام

 

بس محدش كان عارف…

ده ماكنش حب… ده كان واجب بس.

 

وفي ليلة، والشمس بتدخل خفيف من الشباك، وبتلون الغرفة بلون دهبي باهت… ظهرت واحدة تانية عند الباب…

 

عند الباب، وقفت امرأة في منتصف الثلاثينيات، ملامحها باهتة لكن عينيها كانتا تشعان بتوتر محموم. كانت تمسك بيدها طفلاً صغيراً، لم يتجاوز السادسة، ملامحه كانت نسخة مصغرة من رامي.. نسخة من ذاك الرجل الذي يصارع الموت على السرير.

ساد الصمت في الغرفة، صمت ثقيل لم يقطعه إلا صوت أجهزة القياس الرتيب. أماني لم تلتفت، ظلت تمسح جبهة رامي بقطعة قماش مبللة ببرود عجيب، وكأنها كانت تنتظر هذه اللحظة منذ سنوات.

تحدثت المرأة الغريبة بصوت مرتعش:

— «أنا.. أنا جيت عشان هو طلب يشوف ابنه.. يحيى.»

في تلك اللحظة، فتح رامي عينيه بصعوبة. نظر إلى المرأة، ثم إلى الطفل، وتحركت شفتيه الجافتين بابتسامة خافتة لم تظهر لأماني طوال سنوات زواجهما. حاول أن يرفع يده المرتجشة، وهو يهمس بصوت بالكاد يُسمع:

— «سامحيني يا أماني.. بس كان لازم يعرفوا.. كان لازم يورثوا.»

كلمة «يورثوا» نزلت على أماني كالصاعقة، لكنها لم تكن صاعقة غضب، بل كانت شرارة الحقيقة التي كانت تطبخها على نار هادئة. وضعت أماني القماش جانباً، ووقفت ببطء، والتفتت للمرأة والطفل بكل هدوء.

اقتربت أماني من المرأة، ونظرت في عينيها مباشرة، ثم قالت بنبرة خالية من أي انفعال:

— «أهلاً يا نورا.. كنت فاكرة إنك هتتأخري أكتر من كده. الشقة اللي في التجمع، والعربية اللي رامي اشتراها ليكي السنة اللي فاتت.. كل ده جميل، بس للأسف، ملوش لازمة دلوقتي.»

تسمر رامي في مكانه، واتسعت عيناه بصدمة. كيف عرفت الاسم؟ كيف عرفت الشقة؟

حاول رامي الكلام: «أماني.. إنتي.. إنتي كنتي عارفة؟»

ابتسمت أماني لأول مرة منذ 12 سنة، ابتسامة باردة جعلت الدماء تتجمد في عروق رامي. انحنت فوق أذنه وهمست:

— «عارفة كل حاجة يا رامي. من أول ليلة في يونيو.. من أول رسالة. كنت فاكر إني ساكتة عشان بحبك؟ أو عشان خايفة؟ لا.. أنا كنت مستنية اللحظة اللي تكون فيها أضعف من إنك تدافع عن نفسك.»

أخرجت أماني من حقيبتها ملفاً أسوداً صغيراً، ووضعته على صدره الواهن.

— «ده توكيل عام رسمي إنت وقعت عليه من شهر.. فاكر لما قولتلك إنها أوراق للمستشفى؟ والشركة، والبيت، وحتى الرصيد اللي كنت مخبيه لـ “نورا” وابنها.. كله اتنقل باسم ولادي أنا.. ولاد “الزوجة المثالية”.»

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *