لمدة ١٢ عام
بدأت أنفاس رامي تتسارع، وجهازه بدأ يطلق صافرات الإنذار. صرخت نورا: «إنتي بتقولي إيه؟ ده ابنه! ليه حق فيه!»
التفتت إليها أماني ببرود مرعب:
— «الحق للي بيصون.. مش للي بيخون. إنتي بره اللعبة يا نورا، وإنت يا رامي.. العقوبة مش إنك تموت، العقوبة إنك تموت وإنت عارف إنك ضيعت كل حاجة.. وإن “المثالية” اللي كنت بتستغل صمتها، هي اللي قفلت عليك وعلى نزواتك القبر قبل ما تدخله.»
في تلك اللحظة، بدأ رامي يختنق، ليس من المرض فقط، بل من ثقل الحقيقة. كانت عيناه تتوسلان إليها، لكن أماني تراجعت للخلف خطوة، وضبطت هندامها، ونظرت للممرضة التي دخلت تجري على صوت الأجهزة، وقالت بهدوء:
— «دكتورة، أرجوكي اهتمي بيه.. أنا هخرج أرتاح شوية.»
خرجت أماني من الغرفة، تاركة خلفها حطام رجل، وامرأة تصرخ، وسراً لم يعد سراً.. لكن اللعبة لم تنتهِ هنا، فما زال في الملف الأسود ورقة واحدة لم يقرأها رامي بعد.
خرجت أماني من باب المستشفى، واستنشقت هواء الليل البارد بعمق، وكأنها كانت محبوسة في زجاجة مفرغة من الأكسجين لمدة 12 سنة. ركبت سيارتها، لكنها لم تتحرك. فتحت الملف الأسود الذي كان بيدها، وأخرجت تلك الورقة الأخيرة التي لم تظهرها لرامي في الغرفة.
كانت الورقة عبارة عن تقرير معملي قديم، يعود تاريخه إلى خمس سنوات مضت. تقرير يثبت أن رامي، بسبب مضاعفات صحية معينة أصيب بها قديماً ولم يعالجها، أصبح “عقيماً” تماماً.
ابتسمت أماني بمرارة وهي تنظر للتقرير، ثم نظرت لصورة نورا وابنها التي التقطتها عدسات مكتب التحريات الذي استأجرته أماني سراً قبل سنوات. همست لنفسها:
— «يا ريتك كنت لسه بتقدر تتنفس يا رامي.. عشان كنت هقولك إن الولد اللي كنت مستعد تضيع حق ولادي علشانه.. مش ابنك أصلاً.»
في هذه الأثناء، داخل غرفة العناية المركزة، كانت الفوضى عارمة. رامي استعاد وعيه للحظات أخيرة تحت ضغط أجهزة الإنعاش. كانت نورا تصرخ في وجه الأطباء وتطالب بحقها، بينما كان رامي ينظر للسقف بعينين تائهتين. كان يريد أن يسأل عن “يحيى”، يريد أن يطمئن أن ابنه سيؤمن مستقبله، لكن صوت أماني كان يتردد في أذنه كالفحيح: *”كل حاجة اتنقلت لولادي أنا”.*
بمجرد أن استقرت حالة رامي قليلاً، دخل المحامي الخاص به، “الأستاذ سيف”، الذي استدعته نورا على عجل. سيف كان صديقاً قديماً لرامي، وكان يعرف ببعض نزواته، لكنه لم يتخيل قط جحيم أماني الهادئ.