"حكايات الكاتبة ملك إبراهيم... المعازيم على وصول والعروسة مش موجودة.. هنعمل ايه يا ادهم؟ الناس هيقولوا علينا إيه! عروسة ادهم الجارحي هربت منه ليلة الفرح!!" الصوت كان جاي من كل حتة. كل واحد من العيلة بيرمي كلمة كأنها طوبة، والقلق مالي الفيلا زي الدخان. وادهم.. ساكت. ساكت سكوت يخوف. عيونه غرقانة في الفراغ، بس عقله شغال زي المكنة، بيدور على مخرج من الفضيحة. مكنش موجوع عشان ساندي هربت، عمرها ما كانت في قلبه اصلا. هي كانت بالنسبة له صفقة، توقيع على ورق، اسم عيلة كبيرة ومشاريع مشتركة مع ابوها. قلبه؟ قلبه طول عمره مقفول، عمره ما دق لحد ومش مؤمن بحاجة اسمها حب. بس دلوقتي.. صورتُه على المحك. كل مواقع الاخبار واقفة بره مستنية تصور فرح الموسم، وهتتحول في ثانية لخبر شماتة: هروب عروسة ادهم الجارحي. لازم يبقى في عروسة والفرح يتم. قام وطلع الجنينة اللي كلها انوار وورد بتتجهز. وهناك، على ترابيزة على جنب، كانت واقفة بنت لابسة يونيفورم الجرسونات، بتجهز الترابيزة بإيدين مرهقة. فجأة رن موبايلها. ادهم وقف غصب عنه يسمع. صوتها كان واطي ومكسور، بتحاول تكتم عياطها: "ايوه يا ماما.. حاضر.. هجيبلك فلوس الدوا والله.. استحملي بس لبكرة". فهم من نبرة صوتها المبحوحة ان الدنيا دايسة عليها، انها فقيرة وموحلة، وامها المريضة دي هي كل دنيتها. قرب منها، عينه بتفحصها من فوق لتحت ببرود رجل أعمال بيقيم صفقة. وسألها بنبرة مباشرة، ناشفة، مفيهاش أي مقدمات: انتي متجوزة؟ سارة اتنفضت كأن كهربا مسكتها. لفت حواليها بتوتر، قلبها وقع في رجلها. ما تعرفش ان ده العريس نفسه، افتكرته واحد من المعازيم التقيلة اللي واصل بدري وبيستظرف وبيعاكسها. الدم طلع في وشها من الغضب والخوف. زعقت فيه بصوت عالي عشان تداري رعشتها: وانت مالك؟ وازاي اصلا تسألني سؤال زي ده. ولسه هتلف وتمشي، راح ماسكها من دراعها. مسكة قوية، متحكمة. وساره برد فعل غريزي، من خوف السنين وقهرتها من اي حد يفتكرها سهلة، بدون تفكير لفت ايديها وضربته بالقلم، بكل قوتها، وهي بتصرخ: ابعد ايدك عني. الزمن وقف. ادهم اتصدم. حط ايديه على وشه، مش من الوجع، من الصدمة. مفيش مخلوق في حياته تجرأ يرفع ايده عليه. عروقه نفرت وهو بيحاول يكتم بركان غضب هيطلع يحرقها، بيجز على سنانه عشان ميتهورش عليها قدام الناس. سارة ما استنتش، جريت من قدامه كأنها بتهرب من مصيبة، نفسها مقطوع، ودخلت استخبت في المطبخ. وادهم فضل واقف مكانه، مكان القلم لسه بيحرق خده، بس في دماغه قرار اتولد في اللحظة دي، قرار بارد ومليان انتقام: البنت دي هتبقى هي عروسته الليلة. منها ينقذ الفرح ويبقى في عروسة قدام الناس، ومنها يعاقبها على القلم دا. سارة كانت واقفة في المطبخ، جسمها كله بيترعش زي ورقة شجر، ايديها ساقعة وعرقانة، وحاسه ان اللي عملته ده مش هيعدي. الشخص اللي ضربته ده باين عليه حد مهم أوي، ونظرة عينيه كانت تخوف. هي غصب عنها عملت كده. وفجأة واحد من منظمين الحفلة دخل يجمعهم كلهم وصوته عالي: أصحاب الفيلا بلغونا ان في ساعة دهب غالية اتسرقت.. والشنط بتاعكم كلها لازم تتفتش. قلب سارة وقع. اخدوا الشنط يفتشوها واحدة واحدة، وهي واقفة بتدعي من جواها، لحد ما جه الدور على شنطتها الصغيرة المقطعة. الأمن اول لما فتحوها لقوا الساعة الدهب بتلمع جواها. سارة اتجمدت، عينيها وسعت بصدمة، مش مستوعبه، حاسه انها بتحلم كابوس: دا حصل ازاي! انا حتى مدخلتش الفيلا! ادهم دخل في اللحظة دي بثقة واحد داخل يصدر حكمه، بيبص لها نظرة جليد. وقال بصوت واثق، عالي عشان الكل يسمع: لقيتوا الحراميه اللي سرقت الساعة؟ الأمن بص لبعضه، وبعدين واحد منهم رفع الساعة لفوق وقال: ـ أيوه يا فندم… لقيناها في شنطة البنت دي. كل العيون، كلها، اتوجهت ناحية سارة. نظرات اتهام، شماتة، قرف. سارة كانت واقفة مذهولة، بتبص للساعة وبعدين ليهم، صوتها طالع بالعافية، مخنوق بدموع هتنزل: ـ أنا… أنا مسرقتهاش! والله العظيم معرفش دي جت في شنطتي إزاي! واحدة من العاملات همست للي جنبها بشماتة: ـ شكلها اتقفشت بقى. واحد من المنظمين قال بحدة وقرف: ـ يعني الساعة هتمشي لوحدها من أوضة الضيوف وتدخل شنطتك؟! سارة هزت راسها بسرعة وهي شبه بتعيط، صوتها بيتقطع: ـ والله ما حصل! أنا كنت شغالة هنا طول الوقت… حتى ما دخلتش جوه الفيلا! ادهم كان واقف بعيد شوية، سايبهم ينهشوا فيها وهو بيبصلها بنظرة باردة، مستمتعة، كأنه بيتفرج على فريسة بتقع في الفخ. قرب منهم بخطوات هادية… والكل سكت أول ما شافه، كأن زرار اتقفل. واحد من المنظمين قال بسرعة باحترام وخوف: ـ أستاذ أدهم… احنا لسه لقينا الساعة. ادهم بص لسارة للحظات… نظرة طويلة، تقيلة، خلت قلبها يدق بسرعة مجنونة، خلتها تحس انها عريانة قدام الكل. وبعدين قال بهدوء قاتل: ـ يعني هي اللي سرقتها؟ سارة رفعت عيونها المليانة دموع له بسرعة وقالت بعصبية اليأس: ـ لأ! أنا مسرقتش حاجة! انتوا ظلمتوني! الأمن مسكوا شنطتها بعنف وقالوا: ـ للأسف الساعة كانت في شنطتك… ولازم نسلمك للشرطة. جسم سارة كله اترعش. الكلمة رنت في ودانها زي حكم إعدام. الشرطة؟! لو اتقبض عليها… شغلها هيروح… وسمعتها هتتدمر… وأمها المريضة اللي نايمة مستنياها بفلوس الدوا محدش هيصرف عليها وهتموت. دموعها نزلت غصب عنها، انهارت وهي بتقول برجاء، برجاء واحدة بتغرق: ـ بالله عليكم… أنا مظلومة! ادهم فضل ساكت ثواني… وكأنه بيفكر، وهو في الحقيقة مستمتع بلحظة ضعفها وانكسارها. وبعدين قال فجأة: ـ استنوا. الكل بص له بذهول. قرب خطوة من سارة… لدرجة إنها حست بنفَسه قريب منها، وحست بريحة برفانه الغالي اللي بتخنقها. وقال بنبرة هادية لكنها مخيفة، نبرة بتساوم روحها: ـ ممكن أتنازل عن الموضوع. المنظمين اتفاجئوا: ـ يعني إيه يا فندم؟ ادهم قال وهو لسه باصص في عينيها الغرقانة دموع، وعينيه بتثبتها مكانها: ـ الساعة بتاعتي أنا… ولو أنا قلت مش هعمل محضر… الموضوع يخلص. سارة بصت له بارتباك… مش فاهمة هو ليه بيعمل كده، قلبها بيدق من الخوف والامل المتلخبط. لكن أدهم كمل كلامه بابتسامة جانبية: ـ بس بشرط. قلبها دق بقوة، حست بقبضة بتمسك قلبها. ـ شرط إيه؟ ادهم ابتسم ابتسامة خفيفة… ابتسامة باردة خلتها تحس إن في حاجة مش مريحة، ان في مصيبة أكبر جاية. وقال: ـ تتجوزيني الليلة. سارة حسّت إن الأرض بتلف بيها، ان الدنيا اسودت فجأة. ـ إيه؟! الناس اللي واقفين حوالينهم اتصدموا، شهقات طلعت. واحد من العمال قال بدهشة: ـ هو… هو حضرتك بتهزر؟ لكن أدهم رد ببرود جليدي، بنظرة ما بتتفاهمش: ـ أنا عمري ما بهزر. وبص لسارة وقال ببطء، كل كلمة زي سكينة: ـ يا تقضي الليلة في القسم بتهمة سرقة… يا تبقي عروسة أدهم الجارحي قدام كل الناس. سارة كانت واقفة مش قادرة تنطق… نفسها محبوس، وفي اللحظة دي فهمت إن القلم اللي ضربتهوله من شوية… هيكلفها عمرها كله. --- سارة كانت واقفة كأنها اتحولت لتمثال من تلج، الدم هرب من وشها. كل اللي حواليها ساكتين ومستنيين ردها… وكأن مصيرها كله واقف على الكلمة اللي هتقولها، كأنها في محكمة. سارة بصت لأدهم بصدمة، عيونها بتترجاه، وقالت بصوت مكسور، متقطع: ـ انت… بتتكلم بجد؟ أدهم رد ببرود يق/تل: ـ أنا عمري ما بهزر. قرب خطوة وقال بهدوء مخيف، صوته واطي بس واصل لقلبها: ـ قدامك اختيارين… يا نبلغ الشرطة حالًا… يا الجواز يتم والموضوع يخلص. سارة بلعت ريقها بالعافية. دموعها كانت محبوسة في عيونها، بتحرقها، وقلبها بيدق بعنف لدرجة انها سامعه صوته في ودانها. فكرت في أمها… في المستشفى… في تمن الأدوية… في الفضيحة لو اتقبض عليها والناس يقولوا بنتك حرامية. همست بصوت مرتعش، يكاد لا يسمع: ـ بس… أنا معرفكش! أدهم رد ببرود أشد: ـ وأنا كمان. وسكت لحظة وبعدين قال بمنطق رجل الأعمال البارد: ـ اعتبريه عقد… زي أي عقد. سارة حسّت إن صدرها بيضيق، انها مخنوقة. بصت حواليها… مفيش حد هينقذها… الكل شايفها حرامية، الكل مستني سقوطها. قربت خطوة وقالت بصوت ضعيف، فيه بقايا كرامة بتحاول تتمسك بيها: ـ ولو وافقت… هتسيبني بعد كده؟ أدهم رفع حاجبه باستهتار وقال: ـ دي تفاصيل بعدين. سارة غمضت عيونها لحظة… وكأنها بتاخد قرار هيغير حياتها كلها، بترمي نفسها في بحر مظلم. وبعدين قالت بصوت بالكاد مسموع، صوت واحدة بتسلم روحها: ـ موافقة… الهمهمة علت بين الموجودين، زي سرب نحل. واحد من المنظمين قال بدهشة: ـ يعني… الفرح هيتم؟ أدهم قال بثقة المنتصر: ـ الفرح هيتم. وبص لسارة وقال بلهجة آمرة: ـ خمس دقايق… وتكوني جاهزة. وسابهم ومشي، وسابها واقفة في وسط الزلزال. سارة فضلت واقفة مكانها، جسمها كله بيرتعش، حاسه انها هتقع من طولها. فجأة واحدة من البنات قربت منها بسرعة… كانت هبه صاحبتها، الوحيدة اللي عنيها فيها خوف حقيقي عليها. ـ سارة! سارة بصتلها بعيون مليانة دموع وانهيار: ـ يا هبه… أنا ورطت نفسي. هبه مسكت إيديها الساقعة بقلق: ـ إيه اللي حصل؟! سارة قالت بارتباك وشهقات: ـ هيجوزني دلوقتي… قدام الناس كلها! هبه اتصدمت: ـ إيه؟! سارة قالت بسرعة وهي بتعيط: ـ يا إما الجواز… يا إما السجن بتهمة السرقة! هبه بصتلها لحظة… وبعدين قالت بحزم وقلبها بيتقطع عليها: ـ طب يلا بسرعة… قبل ما يغير رأيه. مسكت إيد سارة وسحبتها ناحية أوضة العروسة. الأوضة كانت واسعة وفخمة… وريحتها برفان غالي، وفي نصها فستان الفرح الأبيض بتاع ساندي متحط على المانيكان، كأنه بيستناها. سارة وقفت تبص له وكأنها مش مستوعبة، نفسها بيروح ويجي. همست بخوف: ـ دا… فستان العروسة. هبه قالت وهي بتحاول تشجعها: ـ خلاص… دلوقتي بقى فستانك. سارة قالت بخوف وتردد، حاسه انها بتسرق حلم حد تاني: ـ بس دا غالي جدًا… وأنا… هبه قاطعتها: ـ الوقت مش وقت تفكير… يلا البسيه. بدأت تساعدها تلبس الفستان. الفستان كان أبيض طويل… مرصع بحبات لامعة بتلمع مع النور… ونازل بنعومة حواليها، كأنه معمول ليها. سارة كانت واقفة قدام المراية وهي مش مصدقة نفسها، شايفة واحدة تانية خالص. هبه بصتلها بإعجاب ودموع فرحة وخوف مع بعض وقالت: ـ يا نهار أبيض… انتي طالعة زي الأميرات! سارة قالت بتوتر وقلبها هينفجر من الخوف: ـ بلاش هزار يا هبه… أنا قلبي هيقف. هبه عدلت الطرحة على شعرها وقالت بابتسامة بتحاول تطمنها: ـ والله ما بهزر… العريس دا لو شافك كده هيغمى عليه. سارة بصت لنفسها في المراية… أول مرة في حياتها تشوف نفسها بالشكل ده، أميرة بجد. بس الفرحة مكانتش موجودة… مكانها خوف تقيل، ورعب من خطوة داخلة عليها وهي مش عارفة نهايتها، كأنها ماشية على حبل فوق نار. في نفس الوقت… أدهم كان واقف في الجنينه وسط المعازيم. الأنوار متعلقة في كل مكان… والمزيكا هادية… والناس بتهمس عن اختفاء العروسة. واحد من أصحابه قرب منه وقال بقلق: ـ هو الفرح هيكمل بجد؟ أدهم رد بهدوء وثقة عمياء: ـ هيكمل. وفجأة… المزيكا وقفت لحظة. كل العيون اتجهت للسلم الكبير اللي نازل على الجنينه. وسارة ظهرت من فوق. كانت نازلة ببطء… الفستان الأبيض ماشي وراها زي موجة نور… والطرحة نازلة بنعومة على شعرها. الأنوار انعكست على الفستان فخلته يلمع كأنه نجوم. الناس سكتت فجأة، الأنفاس اتحبست. الهمسات بدأت تنتشر بدهشة: ـ دي مين؟ ـ هي دي العروسة؟ ـ أجمل بكتير من ساندي! لكن أدهم… كان واقف مكانه مش قادر يتحرك. عيونه اتثبتت عليها، اتسمرت. القلب اللي عمره ما دق لحد… دق. دق لأول مرة بعنف، بوجع حلو، كأن حد خبطه في صدره. حس بحاجة غريبة في صدره… حاجة مش فاهمها، حاجة دافية وبتوجع في نفس الوقت. كأنه شايفها لأول مرة… رغم إنه قابلها من شوية وهي بتضربه بالقلم. لكن دلوقتي… مش شايف الجرسونة الفقيرة. شايف بنت جميلة بشكل خطف أنفاسه، بريئة وخايفة وجميلة لدرجة توجع. همس لنفسه من غير ما يحس، بصوت مبهور: ـ إيه الجمال ده…؟ وسارة كانت نازلة السلم… وقلبها بيدق بخوف… وركبها بتخبط في بعضها… مش عارفة إن الليلة دي مش بس هتغير حياتها… دي كمان هتغير قلب أدهم الجارحي نفسه. --- المأذون كان قاعد على الترابيزة الكبيرة في نص الجنينه… والدفاتر قدامه مفتوحة، والناس حوالينهم واقفين في دايرة كبيرة. الهمسات مالية المكان، زي النار في الهشيم. ـ دي مش ساندي! ـ مين البنت دي؟ ـ هو اللي بيحصل ده بجد؟ سارة كانت قاعدة على الكرسي جنب أدهم… إيديها متشبكة في بعض بقوة لدرجة إن صوابعها ابيضت من كتر الضغط، وبتحاول تمنع رعشتها اللي فضحاها. قلبها بيدق بسرعة… والخوف مالي عيونها، حاسه انها عريانة. كانت حاسة إن كل العيون بتبصلها… بتقيسها… بتحاكمها… بتقطع فيها. بصت بطرف عينها لعيلة أدهم. وشوشهم كلها متجهمة… نظراتهم مليانة استعلاء وكبرياء يسم البدن. واحدة من قرايبهم همست باحتقار بصوت مسموع قصدا: ـ معقول أدهم الجارحي يتجوز… خدامة؟! واحدة تانية قالت بسخرية تجرح: ـ دي فضيحة. أم أدهم كانت واقفة بعيد شوية… وشها متجمد من الصدمة والغضب، عينيها بتطلع شرار. قربت خطوة وقالت بصوت منخفض لكنه حاد زي السكينة: ـ أدهم… ايه المهزلة دي؟ أدهم رد بهدوء من غير ما يبصلها، عينه لسه على سارة اللي بتترعش جنبه: ـ الفرح شغال يا ماما… والناس موجودة… مينفعش نوقف كل حاجة. الأب قال بغضب مكتوم، وشه محمر: ـ بس مش على حساب اسمنا! لكن أدهم قال ببرود يحسم النقاش: ـ اسمنا مش هيتأثر. وفي اللحظة دي… المأذون قال وهو بيعدل نظارته بتوتر: ـ نبدأ يا جماعة؟ الكل سكت، سكوت تقيل. المأذون بص لسارة وقال بلطف، شاف خوفها: ـ اسمك ايه يا بنتي؟ سارة ردت بصوت ضعيف، يكاد يختفي: ـ سارة… سارة عبد الرحمن. المأذون كتب الاسم… وبعدين بص لأدهم. ـ وانت يا عريس… موافق؟ أدهم كان طول الوقت عيونه على سارة. مركز في تفاصيل وشها… في رعشة إيديها… في الدموع اللي واقفة على حافة عيونها ومش راضية تنزل، بتحارب عشان تحافظ على آخر ذرة كرامة. حس بشعور غريب جواه، شعور أول مرة يحسه، شفقة؟ حماية؟ حاجة بتشده ليها. البنت دي… خايفة فعلاً. مش بتمثل. مش زي أي حد قابله قبل كده، كلهم كانوا عايزين فلوسه، دي خايفة على روحها. المأذون كرر سؤاله: ـ يا أستاذ أدهم… موافق؟ أدهم انتبه وقال بهدوء، بس صوته كان أحن شوية: ـ موافق. سارة بلعت ريقها بالعافية. عقلها كان بعيد عن كل اللي بيحصل، طاير عند أمها. كانت بتفكر في حاجة واحدة بس… أمها. تخيلت شكلها لما تعرف إن بنتها اتجوزت فجأة… ومن غير ما تقولها… ومن غير حتى ما يكون في فرح حقيقي، اتجوزت كأنها سلعة. دمعة لمعت في عيونها بسرعة لكنها حبستها بقوة، عضت على شفايفها. قالت لنفسها في سرها بصوت بيعيط: "سامحيني يا أمي… أنا معنديش اختيار." المأذون بص لها وقال: ـ وانتي يا سارة… موافقة على الجواز من الأستاذ أدهم الجارحي؟ ثانية عدت… طويلة… وبعدين ثانية تانية… الدهر كله عدى في الثواني دي. الكل مستني ردها، حابس نفسه. بصت لأدهم لحظة. وللمرة الأولى شافت عيونه قريبة كده. عيونه كانت ثابتة عليها… وكأنه بيحاول يفهم اللي جواها، بيطمنها من غير كلام. سارة قالت بصوت مهزوز، طالع من أعماق خوفها: ـ موافقة. الهمسات رجعت تاني بين المعازيم زي موج عالي. المأذون ابتسم وقال: ـ مبروك… بقى حضراتكم دلوقتي زوج وزوجة. القلم اتحط قدامهم عشان يمضوا. إيد سارة كانت بترتعش جامد، القلم بيتهز في ايديها، وهي بتمضي اسمها كأنها بتمضي على حكم مؤبد. وأول ما خلصت… رفعت عيونها بالصدفة وبصت حوالينها. نظرات عيلة أدهم كانت كلها فوقية، سم. واحدة بصتلها من فوق لتحت وقالت بسخرية تجرح القلب: ـ واضح إنها محظوظة أوي. واحدة تانية قالت باحتقار: ـ من المطبخ… لبيت الجارحي! سارة حسّت إن الكلمات بتخبط في قلبها زي الطوب، بتعورها، بس سكتت… وعضت على شفايفها عشان متعيطش قدامهم، عشان متديهمش فرصة يشمتوا. أدهم لاحظ نظراتهم وكلامهم اللي زي السم. وبص لسارة. وشاف قد إيه هي بتحاول تبان قوية رغم الخوف اللي جواها، بتحارب دموعها ببطولة. لحظة صمت عدت بينهم، عينيه في عينيها. وبعدين أدهم قال فجأة بصوت واضح، عالي، قدام الكل، صوت يقطع أي لسان: ـ سارة بقت مراتي… وأي حد هيقلل منها كأنه بيقلل مني أنا. المكان سكت فجأة، سكوت مذهول. عيلة أدهم اتصدمت من كلامه، محدش توقع يدافع عنها كده. لكن أدهم كان لسه باصص لسارة، ونظرته لأول مرة فيها وعد بالحماية. ولأول مرة في حياته… حس إن الجوازة اللي كان شايفها مجرد صفقة… ممكن تبقى حاجة تانية خالص، حاجة دافية. وسارة كانت قاعدة جنبه… لسه مش مستوعبة إن حياتها كلها اتغيرت في ليلة واحدة. من جرسونة بتشتغل عشان تصرف على أمها… لبقت فجأة… زوجة أدهم الجارحي. لكنها مكانتش تعرف… إن الليلة دي لسه مخبية صدمة أكبر بكتير… لأن في عربية وقفت قدام الفيلا… فجأة… صوت كعب عالي خبط بقوة على أرضية الجنينه. والصوت العالي قطع همسات الناس: ـ الجواز ده باطل! كل العيون اتلفت ناحية المدخل. وساندي دخلت وهي شبه منهارة… شعرها متلخبط شوية، وفستانها باين عليه إنه متبهدل، بتمثل دور الضحية باتقان. أول ما الناس شافوها… الهمهمة عليت بذهول. ـ ساندي! ـ العروسة! ـ كانت فين؟! أم أدهم جريت ناحيتها بقلق مصطنع: ـ ساندي! انتي كويسة يا بنتي؟! ساندي حضنتها بسرعة وهي بتعيط تمثيل، دموع تماسيح: ـ أنا… أنا كنت مخطوفة! الناس اتصدموا، شهقوا. الأب قال بقلق: ـ مخطوفة؟! ساندي هزت راسها وهي بتمسح دموعها الناشفة: ـ أيوه… حد خطفني وأنا طالعة من البيت… وحبسني في مكان مقفول. وبصت ناحية أدهم بعيون مليانة عتاب مصطنع، لوم. مشيت ناحيته بخطوات بطيئة، مدلعة، وقالت بصوت مكسور: ـ كنت فاكرة إنك هتدور عليا… سارة كانت واقفة جنب أدهم… إيديها بترتعش أكتر، حست ان قلبها هيقع، انها بقت زيادة، انها هتتفضح. ساندي وقفت قدامه مباشرة وقالت بخبث وهي بتبص لسارة من فوق لتحت، بصة احتقار تق/تل: ـ بس واضح إنك كنت مشغول بحاجة أهم. كل العيون اتوجهت لسارة، نظرات بقت أقسى، كأنها هي المذنبة. ساندي كملت وهي بتمثل الألم ببراعة: ـ بدل ما تدور على خطيبتك اللي اتخطفت… رحت اتجوزت واحدة تانية؟ الناس بدأت تهمس بشماتة. ـ معقول؟ ـ يعني البنت دي كانت بديلة؟ ـ أكيد هو افتكر إن ساندي هربت. ساندي قربت خطوة من أدهم وقالت بنبرة واثقة، آمرة: ـ لسه في وقت تصلح الغلطة دي. سكتت لحظة… وبعدين قالت بوضوح، ببجاحة: ـ طلق البنت دي… واتجوزني أنا. الصدمة سكنت المكان، الكل حبس نفسه. عيلة أدهم بصوا له منتظرين رده. أمه قالت بسرعة بلهفة: ـ أيوه طبعًا! الجواز ده أصلاً ماينفعش يكمل. واحدة من قرايبهم قالت باحتقار وهي بتبص لسارة كأنها حشرة: ـ أكيد كان حل مؤقت وخلاص. سارة كانت واقفة كأن الكلام بيتقال عنها وهي مش موجودة. قلبها بيوجعها… موجوع ومهان… لكنها ساكتة، حاسة انها قليلة، انها ولا حاجة. بصت لأدهم للحظة… خايفة، مرعوبة يسمع كلامهم ويرميها. لكن أدهم… كان واقف هادي جدًا، هادي يخوف. عيونه كانت على ساندي… بنظرة باردة، كاشفة، فاهمة كل كذبها. هو الوحيد اللي لاحظ إن دموعها ناشفة… وإن تمثيلها زيادة عن اللزوم، مبالغ فيه. فاهم إنها بتكدب. فاهم إن قصة الخطف دي لعبة رخيصة. لكن… ملامحه ما اتغيرتش. قال بهدوء وهو بيبص للكل، صوته بيقفل الموضوع: ـ الفرح انتهى. الناس اتفاجئت. ساندي عقدت حواجبها بدهشة: ـ قصدك إيه؟ لكن أدهم ما ردش عليها. تجاهلها تماما. لف ناحية سارة. سارة رفعت عيونها له بتوتر، عيونها مليانة خوف ورجاء. وفجأة… أدهم مسك إيدها. مسكة قوية، دافية، مطمنة. سارة اتفاجئت من اللمسة… قلبها دق أسرع، حست بأمان غريب لأول مرة من أول الليلة. وأدهم قال بهدوء قدام الكل، كأنه بيعلن ملكيته وحمايته: ـ يلا. وسحبها معاه. أمه نادت عليه بغضب وصدمة: ـ أدهم! رايح فين؟! لكن هو ما وقفش. طلع السلم الكبير اللي داخل الفيلا… وسارة ماشية جنبه وهي مش فاهمة اللي بيحصل، بس ماسكة في ايده كأنه طوق نجاة. المعازيم واقفين مصدومين. ساندي كانت واقفة مكانها… ملامحها اتجمدت للحظة، قناع الضحية وقع. كانت متوقعة إنه يطلق سارة فورًا. لكن اللي حصل كان عكس اللي خططتله، اتهانت قدام الكل. فوق… أدهم فتح باب أوضته ودخل. سارة دخلت وراه بتردد، قلبها بيدق. أول ما الباب اتقفل… سارة سحبت إيديها بسرعة كأنها اتلسعت وقالت بتوتر وخجل: ـ أنا… أنا آسفة لو سببتلك مشكلة. أدهم بص لها لحظة. الفستان الأبيض لسه عليها… وعيونها مليانة خوف ودموع محبوسة. لكن أول مرة… حس إنه مش متضايق من اللي حصل. بالعكس… حس إن الليلة دي قلبت حياته كلها، ان القدر لعب لعبته. وفي نفس الوقت… تحت في الجنينه… ساندي كانت واقفة وعيونها مليانة غضب وحقد اسود. وهمست لنفسها بكره، بغل: ـ اللعبة لسه ما خلصتش يا أدهم… --- باب الأوضة اتقفل بهدوء، عزلهم عن دوشة العالم كله. سارة وقفت مكانها لحظة… وكأنها أخيرًا خرجت من الضغط اللي كان حواليها تحت، اتنفست لأول مرة. لكن أول ما بقت لوحدها مع أدهم… كل القوة اللي كانت مسكاها انهارت، دموعها نزلت فجأة زي السيل، انهيار كامل. مسكت طرف الفستان بإيديها وهي بتبكي بمرارة وقالت بصوت مكسور، بقلب موجوع: ـ كفاية… كفاية لحد كده. أدهم كان واقف قريب من الباب… بيتابعها بهدوء، بس جواه متلخبط. سارة قربت خطوة وهي بتحاول تمسح دموعها اللي مش بتخلص: ـ أنا عملت اللي انت عايزه… اتجوزتك قدام الناس… خلاص بقى. بصت له برجاء، برجاء أم خايفة على أمها: ـ لو سمحت… طلقني. أدهم عقد حاجبيه شوية، اتضايق من الكلمة. سارة كملت بسرعة وكأنها خايفة يرفض، صوتها بيتقطع: ـ سيبني أروح لماما… هي تعبانه ومحتاجة لي… وأنا مش هقدر أسيبها لوحدها. صوتها كان مليان خوف حقيقي، خوف بنت وحيدة. ـ هي أصلاً متعرفش أنا فين دلوقتي… ولا تعرف إن بنتها اتجوزت بالطريقة دي. الدموع نزلت أكتر وهي بتقول: ـ بالله عليك… خليني أروح لها. لحظة صمت تقيلة عدت بينهم. أدهم كان باصص لها… بيشوف قد إيه هي صادقة وخايفة، قد إيه حبها لأمها هو كل حياتها. وبعدين قال بهدوء، صوته أول مرة يبقى حنين: ـ مفيش داعي تروحي. سارة بصت له بعدم فهم، عيونها مبلولة: ـ يعني إيه؟ أدهم رد ببساطة، كأنه بيحل مسألة: ـ لأن والدتك جاية هنا. سارة اتجمدت مكانها، شهقت. ـ إيه؟! أدهم كمل بنفس الهدوء: ـ أنا بعت رجالي يجيبوها من البيت. سارة قربت منه خطوة بسرعة وهي مصدومة، خايفة: ـ انت عملت إيه؟! أدهم قال بطمأنة: ـ متقلقيش… هي جاية بعربية مريحة… ومعاها ممرضة كمان. سارة كانت مش مستوعبة الكلام، مش مصدقة انه فكر في أمها. ـ انت… جبت ماما هنا؟ أدهم هز راسه: ـ أيوه. وبعدين قال بجدية وحزم: ـ ومن النهارده… هتعيش معاكي هنا. سارة بصت له بذهول، كأنها بتحلم. أدهم كمل: ـ وهتتعالج في أحسن مستشفى. سارة همست بعدم تصديق، الأمل بيرجع لعينيها: ـ بجد…؟ أدهم قال: ـ أي علاج تحتاجه… هيكون موجود. لحظة أمل صغيرة، دافية، لمعت في عيون سارة الغرقانة. لكن أدهم كمل كلامه، ورجع لنبرة رجل الأعمال: ـ بس… الكلمة خلت قلبها يقبض، خوفها رجع تاني. ـ بس إيه؟ أدهم مشي خطوتين وقرب منها، عينيه في عينيها. وقال بهدوء ثابت، كل كلمة محسوبة: ـ مقابل ده… انتي هتعملي حاجة بسيطة. سارة بصت له بقلق: ـ إيه هي؟ أدهم قال: ـ هتفضلي مراتي قدام الناس. سارة اتوترت، قلبها دق. أدهم كمل: ـ قدام عيلتي… قدام المعازيم… قدام الصحافة… وكل اللي يعرفني. وقف لحظة وبعدين قال: ـ هتمثلي دور الزوجة السعيدة. سارة بصت له بصدمة ووجع: ـ تمثيل؟ أدهم قال ببساطة باردة: ـ أيوه. وبعدين أضاف: ـ هتضحكي… تقفي جنبي… وتتصرفي كأن الجواز ده طبيعي. سارة قالت بسرعة، بقلب موجوع: ـ بس ده مش حقيقي! أدهم رد: ـ محدش لازم يعرف. وسكت لحظة قبل ما يقول بتهديد ناعم: ـ وإلا… سارة قلبها دق بخوف: ـ وإلا إيه؟ أدهم قال ببرود يرجعها للواقع: ـ ساعتها كل اللي حصل تحت هيرجع يتفتح تاني… وقصة الساعة ممكن توصل للشرطة. سارة حسّت إن الأرض بتتهز تحت رجليها. كان واضح إنه حاصرها من كل ناحية، بيلعب بيها. لكن بعد لحظة… قال أدهم بهدوء أقل قسوة، كأنه بيطمنها: ـ بس طول ما الاتفاق ده ماشي… والدتك هتتعالج… وهتعيش مرتاحة. سارة فضلت ساكتة. دموعها نزلت تاني… لكن المرة دي كانت مختلفة. بين خوف… وأمل… وحيرة. رفعت عيونها له وقالت بصوت ضعيف، مهزوم: ـ يعني… لو وافقت… ماما هتبقى كويسة؟ أدهم رد بدون تردد، بوعد: ـ أيوه. ثواني عدت… وسارة قالت بهدوء مهزوم، استسلام للي ملهاش مفر منه: ـ موافقة. أدهم فضل باصص لها لحظة، حس بانتصار، بس كمان بحاجة تانية غريبة، وجع خفيف انه شايفها مستسلمة كده. وبعدين قال: ـ كويس. وفي اللحظة دي… خبط خفيف جه على باب الأوضة. أدهم فتح الباب. واحد من الحرس قال باحترام: ـ مدام سارة… والدتها وصلت. سارة شهقت بصدمة… وقلبها دق بعنف، خوف وفرحة مع بعض. لأنها فجأة فهمت إن حياتها القديمة… انتهت فعلًا. العربية وقفت قدام الفيلا. السواق نزل بسرعة وفتح الباب… وممرضة ساعدت ست كبيرة تنزل بهدوء، ايديها بترتعش من التعب والمجهود. كانت أم سارة… وشها شاحب، مرهق، باين عليه أثر المرض والسهر، لكن لسه محتفظة بملامح طيبة وهادية، ملامح أم بتدعي طول الوقت. بصت حوالينها بارتباك، عنيها بتلف على الفيلا الكبيرة والأنوار والعربيات الفخمة، وهي مش فاهمة هي فين. قالت للممرضة بصوت واطي وقلقان: ـ هو احنا جينا فين يا بنتي؟ دا مش المستشفى اللي كنت رايحة له.. أنا خايفة. الممرضة ابتسمت بلطف وطبطبت عليها: ـ متقلقيش يا طنط… حد مستني حضرتك جوه، حد بيحبك أوي. في نفس اللحظة… باب الفيلا الكبير اتفتح. وأدهم نزل السلم بخطوات هادية، ثابتة، لابس بدلته كاملة كأنه رايح اجتماع مهم، مش فرح. أم سارة بصت له باستغراب… ما تعرفوش، بس هيبته خلتها تتوتر أكتر. أدهم وقف قدامها وقال باحترام حقيقي، لأول مرة صوته يبقى بالحنية دي مع حد كبير: ـ مساء الخير يا طنط. هي ردت بتوتر بسيط، ايديها بتمسك في شنطتها: ـ مساء النور… هو حضرتك مين يا ابني؟ أدهم قال بهدوء، بيحاول يطمنها: ـ أنا أدهم. سكت لحظة، خد نفس، وبعدين قال كأنه بيستأذنها: ـ ممكن نتكلم شوية لوحدنا؟ أم سارة كانت مستغربة… وقلقها زاد، لكن تعبها خلاها تهز راسها بالموافقة وهي بتقول حاضر. أدهم أشار للحرس يساعدوها تدخل، بمنتهى الذوق. دخلوا الفيلا… وكانت أم سارة بتبص حواليها بدهشة طفلة، الفخامة في كل حتة… الأنوار… السلم الكبير… الديكور اللي عمرها ما شافته غير في التلفزيون. همست لنفسها وهي حاطة ايدها على صدرها من الخضة: ـ يا ساتر… ده بيت مين ده؟ ده قصر! أدهم فتح باب أوضة مكتبه، أوضة كبيرة كلها خشب غالي وكتب، وقال بهدوء: ـ اتفضلي يا طنط ارتاحي هنا. دخلت وقعدت على الكرسي قدامه، وايدها على قلبها بتدعي. أدهم قعد على الكرسي المقابل… وفضل لحظة ساكت كأنه بيفكر يبدأ الكلام إزاي، ازاي يقول لست بسيطة زي دي انه اتجوز بنتها فجأة. أم سارة ما استحملتش الصمت، قالت بقلق الأم اللي قلبها حاسس: ـ هو في حاجة حصلت لسارة؟ بنتي جرالها حاجة؟ أدهم رد بسرعة عشان يطمنها، شاف الرعب في عنيها: ـ لأ… لأ خالص… سارة كويسة، زي الفل. القلق في عيونها خف شوية، اتنهدت. ـ طب الحمد لله… أصلهم قالولي أجي هنا بسرعة فخفت يكون حصلها حاجة في الشغل. أدهم ابتسم ابتسامة خفيفة، أول ابتسامة صادقة تطلع منه الليلة، وقال: ـ بالعكس… اللي حصل حاجة كويسة، حاجة حلوة أوي. أم سارة عقدت حواجبها بعدم فهم، مستنية. وأدهم بدأ يتكلم معاها بهدوء… حكالها بطريقته، بطريقة رجل كبير ومسؤول، انه شاف في سارة بنت أصيلة ومحترمة، وانه طلبها للجواز، وانها وافقت، وانه عارف ظروفها وعايز يشيل عنها الحمل. الكلام بينهم طول شوية… باب المكتب كان مقفول… ومحدش سمع إيه اللي اتقال جواه، بس صوته كان هادي ومطمن. لكن بعد شوية… الباب اتفتح. وأم سارة خرجت من المكتب. ملامحها كانت مختلفة تماما عن الأول. القلق اللي كان في عيونها اختفى… وحل مكانه ارتياح واضح، وفرحة أم بتشوف بنتها اتسترت، ودمعة امتنان. كانت بتبص لأدهم بنظرة أم بتدعيله من قلبها وهي بتقول بصوت مبحوح من التأثر: ـ ربنا يخليك يا ابني.. ربنا يسترك زي ما سترت بنتي. أدهم قال باحترام، وراسه موطية شوية: ـ دي أقل حاجة أقدر أعملها يا طنط، سارة تستاهل أكتر من كده. في اللحظة دي… سارة كانت واقفة فوق عند السلم، سامعة صوت أمها، قلبها هيقف. أول ما شافت أمها… كل الخوف اللي جواها اتحول لفرحة طفلة، صرخت بفرحة مجنونة، فرحة مخلوطة بعياط: ـ ماما! وجريت نازلة بسرعة، كأنها بترمي نفسها، والفستان الأبيض طاير وراها. أم سارة فتحت دراعها، وسارة حضنتها بقوة، بقوة واحدة كانت هتموت من الخوف عليها. الدموع نزلت من عيونها وهي بتقول وبتشهق: ـ وحشتيني أوي! وحشتيني أوي يا ماما! أمها مسحت على شعرها بحنان، بتشم ريحتها، وبتطبطب عليها كأنها لسه صغيرة: ـ وأنا كمان يا حبيبتي، يا قلب أمك انتي. وبصت لها كويس… وفجأة لاحظت الفستان الأبيض، الطرحة، اللمعة. اتصدمت شوية، بعدت وشها تبص عليها وقالت بدهشة: ـ هو… انتي لابسة فستان فرح ليه يا سارة؟ سارة اتوترت فجأة، جسمها اتجمد في حضن أمها، وبصت بسرعة لأدهم بعيون بتستنجد بيه، بتقوله الحقني. أدهم قرب منهم بخطوات ثابتة وقال بهدوء، بابتسامة بتحاول تطمنهم هما الاتنين: ـ أصل في مفاجأة يا طنط. أم سارة بصت له باستغراب. أدهم قال بابتسامة خفيفة، وصوته فيه فخر أول مرة يحسه: ـ سارة بقت مراتي. أم سارة شهقت بدهشة، ايدها على بوقها: ـ اتجوزتوا؟! سارة بلعت ريقها بتوتر… وقلبها بيدق، مستنية رد فعل أمها، خايفة تزعق، خايفة تتصدم… لكن قبل ما تتكلم… أمها ابتسمت فجأة، ابتسامة كبيرة مليانة رضا وفرحة، وقالت بدموع الفرح: ـ ألف مبروك يا حبيبتي! ألف مبروك يا ضنايا! وحضنتها تاني بحنان أكبر، كأنها بتبارك الجوازة بقلبها. سارة اتفاجئت من رد فعلها، حست براحة غريبة، وفهمت إن أكيد أدهم قال لها كلام حلو جوه، طمنها. أم سارة بصت لأدهم وقالت بامتنان وعيونها بتلمع: ـ خدت بالي منها يا ابني، خلي بالك منها، دي غلبانة وملهاش غيري. أدهم هز راسه بهدوء، وعينيه جت في عين سارة للحظة: ـ أكيد.. في عنيا. وبعدين قال وهو بيبص لساعته، بيرجع لجدية رجل الأعمال اللي بينظم كل حاجة: ـ بس دلوقتي لازم نتحرك. أم سارة قالت بقلق: ـ على فين يا ابني؟ أدهم رد بحزم حنين: ـ المستشفى… عشان نبدأ علاجك من النهارده، حالا. مش هنستنى دقيقة. سارة بصت له بدهشة، قلبها دق بامتنان كبير، حست انه شايل عنها جبل. أدهم كمل: ـ كل حاجة متجهزة هناك، أحسن دكاترة مستنيينك. بعد شوية… العربية كانت ماشية في الطريق، طريق المستشفى منور. أدهم قاعد قدام جنب السواق، سايق وصامت. وسارة قاعدة ورا جنب أمها. أمها كانت ماسكة إيديها بقوة، ايديها دافية، ومبتسمة بحنان ورضا وهي بتبص على الفستان. وقالت لها بهمس، بفرحة أم: ـ شكلك محظوظة يا سارة… جوزك باين عليه راجل طيب وابن حلال، وشكله هيصونك. سارة بصت لأدهم من المراية الصغيرة قدامها. شافت انعكاس عينيه في المراية، كان بيبص عليها برضه. قلبها اتلخبط، اتلخبط جامد. لأنها مش عارفة… هو فعلًا طيب زي ما أمها شايفة؟ ولا مجرد راجل ذكي بيعرف يمشي كل حاجة زي ما هو عايز؟ راجل بيعرف يشتري كل حاجة حتى المشاعر؟ لكن حاجة واحدة كانت واضحة… حياتها مع أدهم الجارحي بدأت… ومافيش رجوع للورا خلاص.... يتبع في الجزء الأخير