بابا ارجوك

تقنعني أستنى لحد ما نراجع المستندات، لكنها وافقت تخليني أروح بشرط ماواجهش حد باټهامات من غير دليل.
وصلت البيت بعد الساعة تسعة بالليل.
نفس البوابة الحديد.
نفس الحديقة اللي كنت بقضي فيها ساعات طويلة وأنا صغيرة.
ونفس الشبابيك اللي كنت ببص منها على عيلتي، وأنا راجعة من السچن ومش عارفة إذا كان فيه مكان ليا بينهم ولا لأ.
لكن أول ما دخلت، اكتشفت إن البيت اتغير.
كان فيه صناديق كتير متكومة في الصالة، وموظفين بينقلوا لوحات وأثاث غالي، وبابا واقف بيتكلم في التليفون بعصبية.
جرانت كان قاعد على الكنبة، ماسك راسه بإيديه.
أما لينا، فكانت واقفة قدام المدفأة، بتتكلم بصوت عالي
مش معقول! إزاي المؤسسة تتجمّد حساباتها بالشكل ده؟! الناس هتعرف، وكل اللي بنيناه هينهار!
أول ما شافتني، سكتت فجأة.
بابا لف ناحيتي، والموبايل وقع تقريبًا من إيده.
إنتِ بتعملي إيه هنا؟!
بصيتله بهدوء وقلت
رجعت أشوف عيلتي يا بابا. ولا حتى ده بقي ممنوع؟
صړخ إنتِ مالكيش مكان هنا بعد اللي عملتيه!
ضحكت ضحكة قصيرة من غير فرحة.
بعد اللي أنا عملته؟ أنا قضيت 18 شهر في السچن بسبب تهمة إنت بنفسك شهدت ضدي فيها!
لينا قربت مني وقالت إنتِ لسه مصممة تلعبي دور الضحېة؟ المحكمة حكمت عليكي، والموضوع انتهى!
بصيت في عينيها وقلت
الموضوع ما انتهيش يا لينا هو بس كان مستني اللحظة المناسبة عشان يبدأ من جديد.
لينا اتلخبطت للحظة، لكن سرعان ما رجعت لنبرة التحدي.
إنتِ بټهدديني؟
لأ. أنا بس بسألك سؤال واحد.
قربت منها خطوة.
مين استخدم حساب أمي ليلة اختفاء الفلوس؟
وشها اتغير.
تغيير بسيط جدًا، يمكن أي حد غيري ماكانش هياخد باله منه.
لكن أنا كنت أعرف أختي كويس.
بصت بسرعة ناحية جرانت، وبعدها ناحية بابا.
والثانية دي كانت كفاية تخليني أعرف إن السؤال لمس حاجة هما مش عايزينها تظهر.
بابا صړخ إنتِ بتجيبي الكلام ده منين؟!
قلت يعني إنت عارف إن فيه حساب باسم أمي؟
سكت.
لأول مرة في حياتي، بابا ماكانش عنده رد جاهز.
وفجأة، أمي ظهرت عند باب الصالة.
كانت ماسكة ظرف أبيض، وإيديها بتترعش.
بصتلي، وبعدها بصت لبابا وقالت
خلاص يا ديفيد كفاية كدب. البنت دي دفعت تمن سكوتنا أكتر من اللازم.
جرانت قام من مكانه بسرعة.
ماما، إنتِ بتعملي إيه؟!
لكن أمي ما بصتلوش حتى.
مشت ناحيتي، ومدت إيدها بالظرف.
قالت بصوت مبحوح
أنا عارفة إنك مش هتسامحيني بسهولة يا كلير ومش هطلب منك تسامحيني دلوقتي. لكن لازم تعرفي إن اللي حصل ليلة القبض عليكي ماكانش أول مرة عيلتك تحاول تخفي فيها الحقيقة.
فتحت الظرف.
جواه صورة قديمة لورقة عليها توقيعات، ومعاها خطاب مكتوب بخط إيد أمي.
بدأت أقرأ أول سطر
لو وصل لكِ الخطاب ده، يبقى أنا فشلت أحميكي من الشخص اللي كان بيخطط للتخلص منك من سنين
رفعت عيني ببطء.
من سنين؟!
أمي هزت راسها والدموع نازلة على خدودها.
أيوه يا بنتي. قبل موضوع المؤسسة بوقت طويل، كان فيه اتفاق اتعمل بين أبوكي وشخص تاني، اتفاق لو كنت عرفته في وقته، ماكنتيش هتصدقي إن أبوكي ممكن يعمل كده فيكي.
بابا اندفع ناحيتها وخطڤ الخطاب من إيدها.
صړخ اسكتي! إنتِ مش فاهمة إنتِ بتقولي إيه!
لكن أمي لأول مرة ما تراجعتش.
بصتله وقالت
لأ يا ديفيد، أنا فاهمة كويس. وأنا سكتّ سنين عشان أحافظ على البيت، لكن سكوتي خلّى بنتي تدفع تمن چريمة ماعملتهاش.
وبعدين رجعت بصتلي، وقالت الجملة اللي خلتني أحس إن كل اللي عرفته عن عيلتي كان مجرد جزء صغير من الحقيقة
كلير، القضية اللي ډخلتي بسببها السچن كانت مجرد وسيلة عشان يمنعوكي من اكتشاف مين صاحب المؤسسة الحقيقي لأن الشركة اللي أبوكي بيقول إنها ملكه، مش ملكه أصلًا!
اتجمدت مكاني.
جرانت غطى وشه بإيده، ولينا رجعت لورا لحد ما خبطت في المدفأة.
أما بابا، ففضل واقف ماسك الخطاب، ووشه بقى أحمر من الڠضب.
لكن أمي لسه ماخلصتش كلامها.
طلعت من جيبها مفتاح صغير، وحطته في كفي، وهمست
المفتاح ده هيفتح صندوق أمانات في البنك. جواه عقد قديم، ولو قرأتيه بنفسك، هتفهمي ليه كل واحد في البيت ده كان مستعد يضحّي بيكي عشان السر يفضل مدفون.
بصيت للمفتاح، وبعدها رفعت عيني لأمي.
وقبل ما أسألها أي سؤال، سمعت صوت بابا ورايا بيقول بنبرة عمري ما سمعتها منه قبل كده
لو خرجتي من البيت بالمفتاح ده يا كلير متفكريش إنك هتقدري ترجعي تاني أبدًا!
لفيت ناحيته، وحطيت المفتاح في جيبي.
وقلت بهدوء
أنا خرجت من بيتك من 18 شهر يا بابا يوم ما سبت الشرطة تاخدني وإنت عارف إنك ممكن تكون بتسلّم بنتك البريئة للظلم.
وبعدين مشيت ناحية الباب.
لكن قبل ما أخرج، سمعت لينا بتصرخ في جرانت
إنت قلتلي إن العقد الأصلي اختفى من سنين! إزاي أمي لسه معاها المفتاح؟!
وقفت مكاني.
ما التفتّش.
لأن الجملة دي كشفت لي حاجة أخطر من كل اللي عرفته لحد دلوقتي
لينا كانت عارفة بوجود العقد، وكانت فاكرة إنه اختفى للأبد!
والسؤال بقى لو العقد ده فعلًا يثبت إن المؤسسة مش ملك بابا
مين صاحبها الحقيقي؟ وليه كان لازم يزجّوا بيا في السچن عشان أفضل بعيدة عن الحقيقة؟
يتبع
الجزء الرابع فتحت صندوق الأمانات ولقيت شهادة ميلاد قلبت تاريخ عيلتي كلها!
خرجت من بيت عيلتي وأنا حاسة إن كل خطوة باخدها بتبعدني عن الماضي، وفي نفس الوقت بتقربني من حقيقة كنت محرومة منها طول عمري.
صوت لينا وهي بتصرخ في جرانت لسه بيرن في ودني
إنت قلتلي إن العقد الأصلي اختفى من سنين! إزاي أمي لسه معاها المفتاح؟!
الجملة دي كانت أخطر من أي اعتراف سمعته منهم.
لأنها أكدت لي إن أختي كانت عارفة بوجود سر كبير، وإنها كانت متأكدة إن السر ده اندفن للأبد.
اتصلت بالمحامية ماريان، وحكيتلها اللي حصل.
فضلت ساكتة لثواني، وبعدها قالت
كلير، ماتروحيش البنك لوحدك، وماتواجهيش حد بالمعلومات الجديدة قبل ما نعرف طبيعة المستندات. لو فيه عقد ملكية أو مستندات مالية، لازم نتأكد من صحتها ونحافظ عليها بالطريقة القانونية.
اتفقنا نتقابل الصبح، ونروح البنك سوا.
لكن الليلة دي ماعرفتش أنام.
فضلت أبص للمفتاح الصغير اللي أمي ادتهولي، وأفتكر وش بابا لما شافه.
أنا طول عمري كنت فاكرة إن أكتر حاجة تهمه هي نجاح المؤسسة الخيرية، وإنه بيشتغل ليل ونهار عشان يحافظ على اسم العيلة.
لكن لو المؤسسة مش ملكه، يبقى كل السنين دي كان بيخبي إيه؟
وليه كان خاېف للدرجة دي إني أعرف؟
تاني يوم الساعة عشرة الصبح، كنت واقفة قدام موظف البنك، وماريان جنبي.
قدمت الأوراق المطلوبة، وبعد مراجعة بيانات صندوق الأمانات، الموظف رجع ومعاه صندوق معدني صغير.
حطه قدامنا وقال
الصندوق مسجل من سنين باسم السيدة إليانور هاريسون، صاحبة الحساب الأصلي. والمفتاح مطابق.
إليانور هاريسون
اسم جدتي!
جدتي اللي توفت وأنا عندي 14 سنة، واللي بابا كان دايمًا بيقول إنها سابت كل ممتلكاتها للعيلة، وإنه هو المسؤول عن إدارتها.
فتحت الصندوق بإيدين متوترتين.
جواه كان فيه ملف جلدي قديم، ومجموعة صور، ومظروف مختوم بالشمع، وورقة صغيرة مكتوب عليها اسمي بالكامل.
كلير إليانور هاريسون.
قلبي دق بسرعة.
فتحت الملف الأول.
لقيت عقد تأسيس قديم لمؤسسة هاريسون الخيرية، ومعاه ملحق قانوني بيوضح إن جدتي خصصت جزءًا كبيرًا من ثروتها للمؤسسة، وإن إدارة الأموال مرتبطة بشروط محددة، مش من حق أي فرد من العيلة يتصرف فيها بمزاجه.
لكن المفاجأة كانت في الصفحة اللي بعدها.
كان فيه بند واضح بيقول إن أي محاولة لاستخدام أموال

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *