طبق كرنب ١
ابتسمت ابتسامة خفيفة، وكملت كلامي: — “وأنا معنديش مانع أدفعلها الثمانين ألف بتوع المحل.. بس بشرط: المحل يتكتب باسمي أنا، وسلفي يشتغل فيه بمرتب، ويبقى مجرد عامل عندي.”
أول ما الكلمة طلعت من بؤي، السفرة كلها اتقلبت وزيطة وما يعلم بيها إلا ربنا!
قبلها بثلاث أيام، كنت طالعة من الشغل ودماغي تقيلة من التعب. إبراهيم جوزي كان مستنيني بالعربية تحت، مشغل الدفاية، وكان رايق وعمال ينقر بصباعه على الدركسيون.
وهما ماشيين في الزحمة، قالي فجأة: — “أه صحيح يا سمر، المكافأة نزلتلي في الحساب النهاردة.. أخدت عشرين ألف جنيه.”
اتكيت بضهري على الكرسي وأنا بحسبها في سرّي: “الله! كده نقدر نجيب الغسالة اللي نفسي فيها، ونساعد أهلي بقرشين، ويصلح معانا مبلغ يشيلنا للظروف.”
خلال أربع سنين جواز، إبراهيم كان طيب وابن حلال ومهتم ببيته، بس كان ناقصه شوية حسم وشخصية.. خصوصاً مع أهله، كان بيبصم على أبيض ومابيعرفش يقول “لا”.
لقيته بيقول بنبرة مفيهاش مراجعة: — “أنا قلت أمي وأبويا محتاجين مصاريف، وحسين أخويا حالته مش مظبوطة وشغله مش ثابت.. فقلت أحول العشرين ألف دول كلهم لأمي ينفعوهم.”
الحرارة اللي في العربية اتبخرت في ثانية.
عدلت قعدتي وبصيت في وشه وقلتله وأنا بحاول أمسك أعصابي: — “يعني أنت إديت الفلوس كلها لأمك؟”
رد وهو مبسوط: — “أيوه، أمي طارت بيّ من الفرحة وقالتلي أنت الابن البار اللي بسند عليه.”
أخدت نفس طويل وقلتله: — “يا إبراهيم، العشرين ألف دول صحيح مكافأتك، بس دول مال مشترك في بيتنا! تروح تحولهم كلهم من غير ما تاخد رأيي ولا تتكلم معايا؟ هو ده يصح برضه؟”
ابتسامته اختفت، وبدأ يزهق: — “في إيه يا سمر؟ دول أبويا وأمي! فيها إيه لما أراضيهم؟ هما عشرين ألف، بقيتي بخلية أوي كده ليه؟ ما كنتِ عاقلة وتفهمي في الأصول!”
ضحكت بحسرة: — “كنت عاقلة عشان فاكرة إن الجواز مشاركة واحترام! مش إنك تاخد شقا البيت ده وعرقنا وتديه لعيلتك وتنسى بيتك!”
صوته يعلى والعروق تطلع في رقبته: — “أنا بدعم أهلي وأخويا! جرى إيه يا سمر؟”
— “أخوك اللي ما بيشبعش!” .. انفجرت فيه .. “أربع سنين جواز، دفعناله كام تحت الترابيزة؟ كم شغلانة سابها؟ كل يوم طالع بموال! عايز يفتح مشروع، تقوم أمك تجيلنا جري تطالب بفلوس.. ثلاثين ألف مرة، وخمسين ألف مرة، والنهاردة تديله المكافأة كلها! هو إحنا مش عايشين ومحتاجين نؤمن مستقبلنا؟!”