طبق كرنب ١
عمي حمايا قفل التلفزيون، وحسين عدل قعدته وبص على شاشة التليفون، أما حماتي فكانت واقفة على باب المطبخ ماسكة ربطة كزبرة في إيدها ووشها اتقلب ألوان!
وإبراهيم؟ تعابير وشه كانت تدرس من كتر الخيبة والكسرة!
قلت لأمي بصوت عالي ومسموع للكل:
— “أهم حاجة تتهنوا يا أمي أنتِ وبابا، وما تشيليش هم الفلوس خالص.. اتفسحوا وانبسطوا!”
— “ربنا يخليكي ليا يا بنتي يا بارة! أبوكي بيقول لازم نكرر السفرية دي تاني السنة الجاية.. الفلوس راحت في مكانها الصح يا سمر!”
قفلت الخط مع أمي، وبصيت للوشوش الصفرا اللي قدامي.. الصمت كان قاتل في الصالة!
حسين سلفي قال بسخرية وغل:
— “ما شاء الله! مرتك يا إبراهيم طلعت بارة بأهلها أوي! مطيرة الفلوس على سفر فسح ودلع.. والله بختك حلو بمرتك الكريمة دي!”
الكلمة كانت طالعة سم، يقصد بيها إنني بطير فلوسي على أهلي ومستخسرة فيهم!
رديت عليه بابتسامة قاطعة:
— “أكيد يا حسين.. الأهل شقيوا وتعبوا طول عمرهم عشان يربونا، ولما ربنا يوسع علينا لازم نروق عليهم ونفسحهم.. ده أقل واجب نعمله لأهالينا اللي ربونا، والفلوس تروح وتيجي، بس بر الأبوين مابيتعوضش!”
الكلمة دي كانت الشرارة اللي ولعت الفتيل!
حماتي رقعت ربطة الكزبرة على الترابيزة بصوت عالي:
— “بتتكلمي بقلب جامد أوي يا ست سمر! هو أنتِ فاكرة إبراهيم بيكسب الفلوس بالساهل؟ مش وراه إيجار ومصاريف وبيت؟ ولا الفلوس طالعة من الشجرة عشان تطيريها كده على أهلك وتسيبي بيتك؟!”
بصيتلها في عينها بثبات وقلت:
— “يا طنط، إحنا مش مديونين لحد، وبيتنا مستور والحمد لله. أما بالنسبة للبر.. فإبراهيم يبر أهله من جيبه، وأنا أبر أهلي من جيب الشقا بتاعي. كل واحد بيشيل شيلته ويهتم بأهله من غير ما ييجي على التاني.. مش ده كلام العقل والأصول برضه؟”
حماتي إيدها كانت بترتعش من الغضب:
— “أنتِ بتتكلمي إزاي يا بت أنتِ؟! أنتِ اتجوزتي إبراهيم يعني بقيتي مننا وعيلتنا! وفلوسك هي فلوس بيتنا ده! مفيش حاجة اسمها كل واحد مع نفسه دي!”
— “أهااا!” .. هزيت رأسي بتمثيل الإدراك .. “يعني هي الحسبة عندكم كده؟ لما يكون الموضوع جايبيين فلوسي أنا، تبقى فلوس البيت والعيلة! ولما إبراهيم يأخد فلوسه يديها لحضرتك ولحسين، تبقى دي فلوسه وحره فيها؟ لا يا طنط، الزمن اتغير، والعدل بيقول إن اللي يسري عليا يسري عليه!”