طبق كرنب ١
— “يااختي! بجد؟” .. حماتي عينيها لمعت بخيبة أمل، بس قلبتها على طول حنية مزيفة: “يلا معلش، أهم حاجة الأمان والاستقرار في الوظيفة، والقرش بييجي ويروح.. مش زي ناس!” وبصت لحسين سلفي بغيظ: “نازل صياعة ومشاكل وما بيفكرش في مستقبله!”
حسين أتافأف وغير قعدته وكمل لعب في التليفون.
رفعت فنجان الشاي ونفخت فيه ببرود، وكأني فرجية بيتفرج على مسرحية عائلية ملهاش دعوة بيها. وإبراهيم قاعد جنبي زي اللي قاعد على شوك، يبصلي ونظراته كلها توسل ورجاء إني أستر عليه وما أفتحش بؤي.
زمان.. كنت أنا اللي بتدخل وبطفي الحرايق. لما حماتي تشتكي أطبطب عليها، ولما حسين يقل أدبه ألم الموضوع وأصلح بينهم.. كنت بحاول أكون الغراء اللي بيلم شمل العيلة دي.
والنتيجة إيه؟
التضحيات اتدست تحت الجزم، والتنازلات اتفهمت إنها خيبة وضعف ورخص!
لكن خلاص.. الست سمر مقتش بتلزق مكسور. أنا تعبت!
إبراهيم مال عليا في الصالة ووشوشني بصوت مخنوق:
— “سمر، وحياة أغلى حاجة عندك، بلاش تفضحينا على الأكل بعد شوية.. عشان خاطري وخاطر أمي وأبويا! العيد وعيد ميلادها النهاردة، وبعد العيد هعملك كل اللي أنتِ عايزاه…”
سألته بهدوء قاتل:
— “وعد إيه ده يا إبراهيم؟ هل توعدني مثلاً إنك مش هتروح تدي مكافأتك كلها لأمك السنة الجاية برضه؟”
خرس، ووشه احمر، وما عرفش يرد.
وعوده بقت بلا قيمة.
اي اللحظة دي.. تليفوني رن. كانت أمي بتتصل فيديو.
فتحت الخط، وظهر وش أمي المشرق المنور على الشاشة، ووراه البحر الأزرق والمباني العالية الفخمة!
— “سمر يا حبيبتي! كل سنة وأنتِ طيبة يا قلب أمك!” .. صوتها كان مبهج وفيه راحة بال ما شفتهاش من زمان، ولابسة فستان مشجر جديد وطرحة شيك.
ابتسمت من قلبي وقلتلها:
— “وأنتِ طيبة يا أمي يا حبيبتي! إيه الحلاوة دي؟ أنتِ وبابا وصلتوا البحر خلاص؟”
— “أيوة يا بنتي! الساحل هنا يجنن يا سمر! أبوكي طاير من الفرحة وبيقولي دي أول مرة في حياته يشوف بحر بنقاء ونظافة كده!” وراحت لفت التليفون ورتني المنظر: “ولسه طالعين من مطعم سمك، أكلنا جمبري واستاكوزا روعة! صحيح غالية شوية، بس ربنا مرزقنا والقرشين اللي بعتيهم روقوا علينا، يلا نعش حياتنا!”
صوت أمي ما كانش واطي خالص.. الصالة كانت سكتت فجأة، وكل كلمة كانت طالعة واضحة وزي الجرس!