ساب مراته

كان البيت أهدى من القصر، وأبسط بكتير، لكنه كان مليان أصوات الأطفال وضحكهم.

ياسين كان بيجري في الصالة، وليلى بتحاول تلحقه، ومريم كانت بتحضر لهم العشا.

كنت واقف ببص عليهم، وفجأة افتكرت الرسالة اللي لقيتها على الترابيزة في أوضة الأطفال.

افتكرت الإسورتين الصغيرتين.

وافتكرت أول مرة شلت فيها ياسين، وأول مرة لمست إيد ليلى من ورا الزجاج.

كل ده حصل قبل ما أتعلم إن الإنسان ممكن يخسر أهم شيء في حياته وهو مقتنع إنه بيحافظ عليه.

مريم خرجت من المطبخ، ووقفت جنبي.

قالت: “سرحت في إيه؟”

قلت: “في اللي حصل من زمان.”

بصت ناحية الأطفال.

“لسه بتفكر فيه؟”

قلت: “كل يوم.”

قالت: “أنا كمان.”

سكتنا لحظة.

وبعدين قالت: “بس أنا مش عايزة اللي حصل يفضل هو الحكاية الوحيدة اللي بنحكيها عن نفسنا.”

بصيت لها.

كملت: “عايزة ياسين وليلى لما يكبروا يعرفوا إننا غلطنا، وإن الغلط ليه تمن، لكن كمان يعرفوا إن الناس ممكن تتعلم وتتحمل مسؤوليتها.”

هزيت راسي.

“ده اللي أنا عايزه.”

ابتسمت وقالت: “طيب تعالى ساعدني في العشا بدل ما تقف تتأمل الحياة.”

ضحكت.

دخلت وراها المطبخ، وبدأت أجهز الأطباق.

بعد شوية، ياسين دخل يجري، وليلى وراه، ومريم ضحكت وهي بتحاول تمنعهم من خطف قطع الخبز قبل ما نقعد.

كانت لحظة عادية جدًا.

لكنها بالنسبة لي كانت أغلى من أي حاجة امتلكتها في حياتي.

لأنني أخيرًا فهمت إن البيت مش عنوان على عقد ملكية.

ولا عدد غرف.

ولا قيمة عقارية.

البيت هو المكان اللي الناس فيه تقدر تعتمد عليك، وتتكلم معاك، وتختلف معاك، وتلاقيك موجود لما تحتاجك.

وفي الليلة دي، بعد ما الأطفال ناموا، مريم قعدت جنبي على الكنبة.

قالت: “فاكر أول رسالة سبتها لك؟”

بصيت لها.

“فاكر كل كلمة فيها.”

قالت: “أنا وقتها كنت متأكدة إن حياتنا انتهت.”

قلت: “وأنا وقتها كنت متأكد إن كل حاجة ممكن تتصلح لو دفعت تمنها.”

ابتسمت ابتسامة حزينة.

“الاتنين كنا غلطانين في حاجة. حياتنا القديمة فعلًا انتهت، لكن ده ماكانش معناه إن مفيش حياة بعدها.”

مسكت إيدي.

وقالت: “بس الحياة الجديدة دي ماجتش عشان إنت غني، ولا عشان اشتريت بيت جديد، ولا عشان جبت هدايا. جت لما بدأت تسمع، ولما بطلت تضغط عليا، ولما بقيت تعمل اللي بتقوله حتى لو محدش شايفك.”

بصيت لها وقلت: “أنا كنت فاكر إن ثروتي اللي قيمتها تمنتاشر مليار دولار معناها إني أقدر أصلح أي حاجة.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *