ساب مراته

قالت: “والنهارده؟”

ابتسمت بحزن وقلت: “النهارده عرفت إن فيه حاجات الفلوس ما تقدرش ترجعها. لكن الإنسان يقدر يبدأ يصلح اللي لسه موجود، لو عنده استعداد يدفع تمن التغيير من وقته وراحته وغروره.”

مريم سكتت لحظة، وبعدها حطت رأسها على كتفي.

ماكانش فيه وعد إننا عمرنا ما هنختلف تاني.

ولا ضمان إن كل الجروح اختفت.

لكن كان فيه اختيار متجدد إننا نواجه مشاكلنا بدل ما نهرب منها.

غمضت عيني، وافتكرت الساعة اللي رجعت فيها البيت.

٦ و٣ دقايق الصبح.

البيت الفاضي.

أوضة الأطفال اللي اختفت منها كل حاجة.

والإسورتين الصغيرتين اللي كانوا الدليل الوحيد على إن أهم لحظة في حياتي عدت وأنا غايب.

وقتها افتكرت إن خسارة مريم معناها خسارة كل شيء.

لكن الحقيقة كانت أعمق.

أنا ماخسرتش مراتي في لحظة واحدة.

أنا خسرتها كل مرة وعدتها بحاجة وماعملتهاش.

وكل مرة تجاهلت خوفها.

وكل مرة اعتبرت وجودها مضمونًا.

واللي رجع لي بعد كده ماكانش نفس الحياة القديمة، ولا نفس العلاقة اللي كنت فاكر إنها هتفضل موجودة مهما عملت.

كان فرصة جديدة، مشروطة بالصدق والاحترام والمسؤولية.

فرصة ماكنتش أملكها لوحدي.

لأن مريم كان من حقها ترفض.

ومن حقها تختار.

ومن حقها تمشي للأبد.

وكل اللي كان في إيدي إني أكون إنسانًا أفضل، سواء رجعت لي أو فضلت بعيدة.

بصيت ناحيتها، ولقيتها مغمضة عينيها من التعب.

مسكت إيدها برفق، وقلت بصوت واطي: “شكرًا إنك اديتيني فرصة أتعلم.”

فتحت عينيها وبصت لي.

قالت: “ما تشكرنيش يا أدهم. بس خليك فاكر إن الفرصة مش معناها إننا ننسى.”

هزيت راسي.

“مش هنساها.”

ابتسمت، ورجعت سندت رأسها على كتفي.

وفي اللحظة دي، ماحسيتش إني أغنى رجل في العالم.

حسيت إني رجل اتعلم متأخر جدًا إن الحب مش حاجة بتشتريها، ولا شخص بتضمن وجوده، ولا وعد بتقوله وقت الخوف.

الحب مسؤولية بتختارها كل يوم.

وأنا كنت خسرت كتير قبل ما أفهم ده.

لكن في النهاية، أهم درس اتعلمته ماكانش إزاي أستعيد ثقة مريم، ولا إزاي أبقى أب أفضل لياسين وليلى.

كان إني أبطل أتعامل مع وجود الناس اللي بحبهم كأنه حق مضمون.

لأن الإنسان ممكن يملك شركات، وعقارات، وطائرات، وحسابات مليانة أرقام ما يقدرش يعدها.

ومع ذلك، ممكن يرجع بيته في السادسة وثلاث دقايق الصبح، ويكتشف إنه خسر الشيء الوحيد اللي كان بيخلي كل الثروة دي ليها معنى.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *